كما استدلوا بما كتبه عمر إلى أبي موسى: المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجربًا عليه شهادة زور أو مجلودًا في حد، أو ظنينًا في ولاء، أو قرابة [1] .
ولأن العدالة هي الأصل؛ لأنه ولد غير فاسق، والفسق [2] أمر طارئ مظنون فلا يجوز ترك الأصل بالظنِّ [3] . ولأن العدالة أمر خفي سببها الخوف من الله تعالى، ودليل ذلك الإسلام، فإذا وجد فليكتف به ما لم يقم دليل على خلافه [4] . ولا يلزم من الاكتفاء بظاهر
(1) أبو محمد علي بن أحمد بن حزم، المحلى، 1408 هـ/1988 م، دار الكتب العلمية: بيروت، ج 8، ص 473. وقد ذكر الزيلعي في نصب الراية أن فيه راويًا ضعيفًا. جمال الدين عبدالله الزيلعي، نصب الراية لأحاديث الهداية، دار الحديث: القاهرة، ج 4، ص 82. أما الألباني فقد ذكر في الإرواء أن لفظة: «المسلمون عدول بعضهم على بعض» صحيحة. ج 8، ص 258، 2634.
(2) الفسق: الخروج عن الطاعة، تقول العرب: فسقت الرُّطبة عن قِشرها: إذا خرجت. ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، ص 836، مادة (فسق) . وفي اصطلاح الفقهاء: كل مسخوط الدين والطريقة لخروجه عن الاعتدال. الماوردي، الحاوي، ج 17، ص 149. وقيل: الفسق يتحقق بارتكاب كبيرة أو إصرار على صغيرة، ولم تغلب طاعاته على معاصيه. الشربيني، مغني المحتاج، ج 3، ص 155. وعلى هذا فإن الفسق نقيض العدالة والفسق وعدم العدالة، بمعنى واحد، فالفاسق هو غير العدل، والعدل هو غير الفاسق. ولكن ليس كل غير عدل فاسقًا، لأن تارك المروءة غير عدل، ولا يوصف بالفسق. والفسق على نوعين: من جهة الأفعال، وهذا لا خلاف في رد شهادته، وفسق من جهة الاعتقاد ونعني به شهادة أهل الأهواء، وهذا وقع الخلاف فيه إن كان هواه لا يكفره، فإن كانت البدعة مكفرة فلا تقبل شهادته؛ لأنها شهادة كافر على مسلم، وهي غير مقبولة. وإن كان هواه لا يكفره فمذهب الحنفية والشافعية قبول شهادته بشرط أن يكون عدلًا، وأن لا يكون صاحب عصبية، أو صاحب الدعوة إلى هواه، أو كان فيه مجانة. وذهب المالكية والحنابلة إلى رد شهادته مطلقًا. ينظر: الكاساني، البدائع، ج 6، ص 269. العيني، البناية على الهداية، ج 8، ص 180. الزيلعي، تبيين الحقائق، ج 4، ص 223. الشافعي، الأم، ج 2، ص 2565، 2566. النووي، روضة الطالبين، ج 8، ص 215. الماوردي، الحاوي، ج 17، ص 168، 169. الخرشي، الخرشي على مختصر خليل، ج 7، ص 176. الدسوقي، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، ج 4، ص 165. ابن قدامة، المغني، ج 12، ص 31. ابن مفلح، المبدع، ج 8، ص 307، 308. البهوتي، شرح منتهى الإرادات، ج 3، ص 590.
(3) الموصللي، الاختيار، ج 2، ص 417.
(4) ابن مفلح، المبدع، ج 8، ص 200.