الصفحة 10 من 56

العدل، أي بمعنى انضواء كل الأفراد السراق تحته. أما العدالة فهي لا تعني تطبيق الإجراء أو المنهج على كل الأفراد المنضوين تحته بل تعني ملاحظة الظروف والأسباب التي أدت إلى وقوع الموضوع وهو السرقة هنا، فقد يطبق الإجراء على بعض المصاديق دون بعضها الآخر؛ لعدم توفر كل الظروف والملابسات التي تستدعي تطبيقه. فهذا هو المنهج الإسلامي العام في وضع قوانينه وأسسه وأنظمته، ولا يشذ المنهج التربوي عنه فلا يختص التطبيق التربوي بالمدرسة النظامية، ولا بأفراد معينين دون غيرهم، فهو شامل للمدارس النظامية والبيت والعمل والشارع والمسجد، وكل تجمع فيه صفة العطاء فهو تربية بنظر الإسلام، وبهذا استطاع المنهج التربوي القرآني أن يعطي فكرة واضحة للشمول لتحقيق العدالة في المجتمع.

فهذا المنهج شامل لكل مناشئ الحياة، لا يستثني جزئية من جزئياتها. بالإضافة إلى ذلك أنه شامل لكل ما تتركب منه الطبيعة الإنسانية فلا يهتم بعقله ويترك جسده، ولا يهتم بروحه ويترك عقله، فهو يهتم بالجسد لا لأنه جسد بل لأنه جزءضمن المركب العام وهو الإنسان، وهكذا بالنسبة للروح والعقل. فالإسلام شامل لكل من المادة والروح، والعلم والعمل، والدين والدولة [1] ، وشامل لما يتوصل إليه العقل مع ما يقدمه الوحي، وإن العقل وحده لا يمنح الإنسان القدرة على فهم تكوينه المعقد، والسيطرة عليه، والتعامل الإيجابي الفعال مع نسيجه الفذ، ومن ثم فلابدّ من أسلوب أكثر شمولًا، يضع إلى جانب العقل طاقات الإنسان الأخرى، ولئن كان بإمكان العقل أن يسعى للكشف عن غوامض الطبيعة وأسرارها، ومن ثم السيطرة على عالمه الخارجي، فلأن الله خلقه هكذا. أما الكشف عن أسرار الإنسان نفسه، وغوامضه الروحية المعقدة المتشابكة، الإنسان الذي هو أداة التغير الحضاري، فلن يكون العقل وحده، وهو جزء فحسب من الإنسان، بقادر على فهم الحقيقة ولابدّ من قوة علوية، تشرف على الإنسان من فوق، وتمنحه الأسلوب المتوازن الشامل، الذي يتعامل مع جهازه الإنساني الصعب. [2]

ولهذا أخطأ البعض عندما حاول أن يستعير مفاهيم وتصورات بل وحتى مصطلحات كالديمقراطية وما شابه ذلك ليفهم بها الإسلام، فالإسلام يرفض كل عنصر غريب عن منظومته، خصوصًا وأن هذه العناصر ولدت في بيئات وأزمنة مختلفة ورافقتها ظروف وشروط

(1) - د. أحمد عروة: الإسلام في مفترق الطرق، ص: 52، ترجمة عثمان أمين.

(2) - د. عماد الدين خليل: في النقد الإسلامي المعاصر، ص: 145، الطبعة الأولى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت