خاصة لا يمكن عزلها عنها، فكيف يمكن الاستفادة منها في منهاج واضح تام لا نقص فيه، إلا أننا غير قادرين على تفعيله وإخراجه من مكنوناته.
المنهج التربوي في القرآن احتوى على عناصر ثابتة هي بمثابة المحور الذي تدور حوله الصور المتغيرة لهذا المنهج، والعناصر الثابتة هي المنطلقات الأساسية لهذا المنهج، كحقيقة الإلوهية، وحقيقة الإنسان، وحقيقة الكون، وما عدا ذلك فهي صور متغيرة تبعًا لتطورات الظروف.
وهذا ما لا نجده في الفلسفات الأخرى، وعلى سبيل المثال لا الحصر الفلسفة التي قامت مؤخرًا ونسبت إلى دارون، وسميت بنظرية النشوء والارتقاء، فقد أنكرت أي شيء ثابت، وآمنت بالتغيير في كل الأشياء، فلا توجد محاور ولا ثوابت، وبهذا حكمت على البشرية بالصراع المستمر فيما بين أجيالها «فما دامت الحياة كلها موضوعة على خط التغيير، فأنى للأجيال أن تلتقي على أمر واحد من أمور الحياة والزمن المتطور وقد فصل بين جيل وجيل وإلى غير لقاء، فإذا تواجد جيلان ـ في أي أمر ـ فهي في مواجهة الصراع لا مواجهة الهدنة ولا مواجهة الاتفاق» . [1] ولم تقف عند حد صراع الأجيال داخل الحضارة الواحدة بل عبرت إلى صراع الحضارات فيما بينها، الذي أدى إلى الدمار والخراب في العالم، وما نشهده اليوم في فلسطين والعراق وأفغانستان وغير ذلك من مناطق العالم ما هو إلا حلقة من حلقات هذا المسلسل الدموي القائم على النظرة الخاطئة للمناهج. أما القرآن فلم يؤمن لحظة واحدة بالصراع بل آمن بالحوار الهادئ الهادف، قال تعالى:"ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" [سورة النحل: الآية 125] . ففي القرآن ما هو ثابت وما هو متغير، ثابت بمحاوره التي تدور حولها صور التغير، وما صور التغير إلا مظهر من مظاهر المحاور الثابتة، تتجلى بين عصر وآخر.
فلا يعني إطلاق العنان لهم في هجر الإيمان بالله الذي آمن به الآباء ولا إنكار حقيقة الإنسانية التي آمن بها السابقون من المسلمين، نعم يقع الاختلاف في تجليات وصور هذا الإيمان.
خامسًا: التعادلية والتوازن
يمكن وصف هذه الخصيصة بالوسطية في التعامل، فلا إفراط ولا تفريط في المنهج القرآني العام، فهو منهج قائم على أساس التوازن بين الروحي والمادي، وبين الفردي والجماعي، وبين الواقعي والمثالي، وبين الثابت والمتغير. أما في الفلسفات الأخرى فقد انعدم التوازن في اعتبار المصادر
(1) - محمد قطب: منهج التربية الإسلامية: ج 1 ص 323.