إن التعبير القرآني يؤلف بين الغرض الديني والغرض الفني، فيما يعرضه من الصور والمشاكل. بل أنه يجعل الجمال الفني أداة مقصودة للتأثير الوجداني، فيخاطب حاسة الوجدان الدينية، بلغة الجمال الفنية. والفن والدين صنوان في أعماق النفس وقرارة الحس. وإدراك الجمال الفني دليل استعداد لتلقي التأثير الديني، حين يرتفع الفن إلى هذا المستوى الرفيع، وحين تصفو النفس لتلقي رسالة الجمال. [1]
سيقت القصة في القرآن لتحقيق أغراض دينية بحتة كما أسلفنا؛ وقد تناولت من هذه الأغراض عددًا وفيرًا من الصعب استقصاؤه، لأنه يكاد يتسرب إلى جميع الأغراض القرآنية؛ فإثبات الوحي والرسالة، وإثبات وحدانية الله، وتوحد الأديان في أساسها، والإنذار والتبشير، ومظاهر القدرة الإلهية، وعاقبة الخير والشر، والعجلة والتريث، والصبر والجزع، والشكر والبطر، وكثير غيرها من الأغراض الدينية، والمرامي الخلقية، قد تناولته القصة، وكانت أداة له وسبيلًا إليه.
فإذا نحن استعرضنا هنا أغراض القصة القرآنية، فإنما نثبت أهم هذه الأغراض وأوضحها، ونترك استقصاؤها وتتبعها:
1 -كان من أغراض القصة إثبات الوحي والرسالة. فمحمد - ? - لم يكن كاتبًا ولا قارئًا، ولا عُرِف عنه أنه يجلس إلى أحبار اليهود والنصارى؛ ثم جاءت هذه القصص في القرآن - وبعضها جاء في دقة وإسهاب - كقصص إبراهيم وموسى وعيسى. فورودها في القرآن اتخذ دليلًا على وحي يوحى .. والقرآن ينص على هذا الغرض نصّا في مقدمات بعض القصص أو في ذيولها.
جاء في أول سورة"يوسف":
"إنا أنزلناه قرآنًا عربيًا لعلكم تعقلون. نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن، وإن كنت من قبله لمن الغافلين".
وجاء في سورة"القصص"قبل عرض قصة موسى:
"نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون".
وبعد انتهائها:
"وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر، وما كنت من الشاهدين، ولكنا أنشأنا قرونًا فتطاول عليهم العمر، وما كنت ثاويًا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا، ولكنا كنا مرسلين."
(1) - التصوير الفني في القرآن ص 144،143.