الصفحة 17 من 56

الطريقة تسهّل عمل المربي كثيرًا، وتجعل عمله أكثر مرونة في إلقاء القيم التي يريد تثبيتها، وأكد القرآن على هذا الطريقة، فهو لم يستخدم هذه الطريقة لتثبيت القيم وتحويلها إلى عادات ابتداءً بل عالج أولًا العادات السابقة، ومن ثم بذر القيم التي يريدها، واتبع طريقة المراحل في قلع جذور العادات القديمة، فلو أخذنا مثال تحريم الخمر نجده في المرحلة الأولى بيّن للناس أن فيه منافع وفيه إثم ولكن الإثم أكبر فقال تعالى:"يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا" [البقرة: 219] .

وفي المرحلة الثانية منع من التقرب إلى الصلاة في تلك الحالة أي حالة السكر، فقال عز وجل"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ" [النساء: 43] . وفي المرحلة الثالثة قلع جذور الخمر من الأساس بتشريع بند التحريم، فقال تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ" [المائد: 90 ـ 91] ، فهذه الطريقة، أي طريقة المراحل في قلع العادات اتبعها القرآن في كثير من المحرمات كالخمر، والميسر، والرق، والربا، وهذا لا يمنع أيضًا أنه اتبع طريقة الاستئصال الفوري لبعض العادات السابقة، كالشرك، ووأد البنات، والعادات الخلقية الذميمة، مثل الغيبة والغش وما شابه ذلك. فالمرونة الكاملة في هذا الكتاب على استخدام الطرق التربوية المختلفة ساعدت بشكل كبير في تقبل مفرداته وقيمه من قبل مخاطبيه خصوصًا في العصر الأول. ولهذا يقول الدكتور شبلي شميل «ان في القران احوالا اجتماعية عامة ما يجعلها صالحة للاخذ بها في كل زمان ومكان» ، أما خلق العادات فقد اتبع الإسلام طريقة لغرس القيم بتحويلها من قيمة مطلقة إلى عادة متجسدة، فقد حثت الشريعة الإسلامية على الصلاة في سن الصغر كي يتعود الناشئ على ذلك قال رسول الله «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وأهم أبناء عشر .. » بحيث تصبح الصلاة عادة وخلق يتصف الطفل به [1] . فطريقة خلق العادات يجب الالتفات إليها من قبل المسؤولين على الجانب التربوي واتباعها في تطبيق مناهجهم، ولكن يجب التنبه أيضًا إلى أن هذه الطريقة لا تخلو من مخاطر وذلك عن طريق تحويل العادات إلى أعمال آلية في حياة الإنسان، خالية من المحتوى والمضمون، وهذا يتم عندما تكون العادات فارغة من النتائج والأهداف.

(1) - تذكرة الفقهاء: ج 1 ص 182.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت