رفضه» [1] ، فهنا سيحصل الوئام بين فطرة الإنسان وبين أعماله من جهة، وبين الإنسان وما يحيط به من جهة أخرى، وأي خلل في هذين الأمرين يؤدي إلى صراع مستمر بين الإنسان ونفسه، وما نراه في مجتمعاتنا اليوم من كثرة المصحات النفسية والعيادات المرضية ما هو إلا نتيجة للمناهج المتبعة التي لم توفق بين فطرة الإنسان وبين المناهج الموضوعة لها.
وأما من ناحية الإنسان مع ما يحيط به فالكوارث التي تحصل ما هي إلا أثرًا من آثار المناهج الخاطئة التي لم توفق بين الإنسان وبين ما يحيط به، ولهذا لجأت بعض الفلسفات إلى جعل الحالة بين الإنسان وبين الطبيعة حالة صراع لانهم يعتقدون ان «النمو والتطور ينشأ عن التناقضات» . [2] بخلاف القرآن الذي آمن بحالة الوئام والإتفاق، فالقرآن صريح بأن الكوارث الطبيعية ما هي إلا نتاج مناهج خاطئة لعدم التوفيق بين الإنسان بفطرته وبين ما يحيط به من عوالم، قال تعالى:"وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ" [الأعراف: 96] . وبهذا نصل إلى أن عالمية المنهج تفرد بها القرآن مما أوجد شيئين:
1 -الإنسان الصالح من دون إغفال دور المواطن الصالح.
2 -السلام والوئام بين الإنسان ونفسه من جهة، وبينه وبين ما يحيط به من مخلوقات من جهة أخرى.
نبعت شمولية التربية القرآنية من قدرة الواضع لها على إدراك ومعرفة صغائر الأمور وكبائرها، فلم تتخلف قابلية المنهج في التطبيق على زمان دون آخر، فالشمولية بمعنى الاستيعاب لكل ما يتطلبه المنهج التربوي في القرآن من تغيرات زمانية، وهذا إن دل على شي إنما يدل على احتواء هذا النظام على عناصر ثابتة قادرة على التفاعل بشكل مستمر تتخطى المحدودية، وعلى عناصر متغيرة تراعي تغيرات الظروف، فهو نظام يتجاوز فكرة العدل في تشريعاته التوازنية.
فكل الأنظمة التربوية قد تقترب من تحقيق العدل في التطبيق على الجميع لكنها تفتقر إلى فكرة العدالة التي لا تتحقق بمجرد التطبيق الشامل للأفراد بل تتحقق بملاحظة الظروف والملابسات المحيطة بالتصرفات الفردية، وعلى سبيل المثال فلو أردنا أن نضع إجراءً جزئيًا لكل سارق، فسوف يشمل هذا الإجراء كل السراق من مختلف مناطق تطبيق هذا الإجراء، فهو لا يحقق إلا
(1) - الصحيح من سيرة الرسول الأعظم جعفر مرتضى العاملي ج 4 ص 189.
(2) - اقتصادنا: محمد باقر الصدر ص 57.