الصفحة 8 من 56

فلا يستطيع الإنسان أن يعرف ما هو خير له، قال تعالى:"كُِتبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ" [البقرة: 216] .

ثانيًا: عالمية المنهج

تتميز التربية القرانية بعالمية المنهج، فهي لا تخاطب المواطن المحبوس في حدود جغرافية اصطنعها لنفسه، ولا تخاطب طائفة معينة بل تخاطب الإنسان بغض النظر عن قوميته أو مذهبه أو جنسه أو طائفته أو لونه، فالإنسان هو المخاطب لا المواطن، وما زرعه الاستعمار في كل بقعة من بقاع الأرض من الشعور بالحدود الجغرافية، الذي أدى إلى خلق الطائفية والعرقية ومن ثم التفرق، ما هو إلا حلقة من حلقات القضاء على المنهج الإسلامي العالمي في التربية.

فالتربية في كل الفلسفات تجدها تخاطب المواطن؛ كي تصنع منه مواطنًا صالحًا عادلًا أمينًا، وفي نفس الوقت تغرس في نفسه شعور العنصرية والطائفية، فهي تخلق مواطنًا صالحًا على حساب الإنسان الصالح، أما المنهج القرآني في التربية فقد تخطى كل الحواجز وحطمها، فلم يؤمن بالوطن القومي بالمعنى المتعارف اليوم، بل يؤمن به كتجمع يحمل أواصر التآخي والمحبة والسلام للجميع، فأخذ من الوطن روحه ونبذ جسده المحدود بحدوده الجغرافية والتي تخلف في نفس مواطنيه العنصرية البغيضة. فالفلسفة التربوية المطروحة في المناهج المختلفة اليوم قد نجحت في خلق مواطن صالح، ولكنها حملت نعش الإنسان إلى مثواه الأخير، أما القرآن جاء ليخلص الإنسان من المواطن الذي يريد بعنصريته تدمير البشرية، بالقضاء على الظلم والأنانية والتكبر والطائفية والعنصرية التي نشأت من تفعيل دور المواطن وإطفاء شعلة الإنسان.

فهذه صورة من صور العالمية في المنهج التربوي القرآني ألا وهي القضاء على الفكرة البغيضة للمواطن التي بموجبها انطلق الاستعمار ليجني خيرات الآخرين، ويبني دولة المستغلين، وينفخ بطون المترفين على حساب المظلومين والفقراء. أما الصورة الأخرى لعالمية المنهج التربوي في القرآن هي إحداث حالة التسامح والتصالح بين الإنسان ونفسه من جهة، وبين الإنسان وما يحيط به من جهة أخرى. فالفلسفات التربوية البشرية وضعت مناهجها على أساس تصورات بشرية محضة غير واعية لحقيقة الفطرة الإنسانية. أما القرآن وضع منهاجه التربوي على معرفة كاملة بهذه الفطرة؛ لأن الواضع هو الخالق بل «صرح القران وتعهد والتزم بان يكون هذا الدين هو دين الفطرة بحيث لو ثبت منافاة أي من تشريعاته وتعاليمه لفطرة الانسان لامكن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت