الخارقة وهي تتحقق أمام أعينهم ; ويستيقنوا أن عيسى عليه السلام قد صدقهم , ثم يكونوا شهودا لدى بقية قومهم على وقوع هذه المعجزة. عندئذ اتجه عيسى - عليه السلام - إلى ربه يدعوه:
"قال عيسى ابن مريم: اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا، وآية منك , وارزقنا وأنت خير الرازقين"
واستجاب الله دعاء عبده الصالح عيسى بن مريم ; ولكن بالجد اللائق بجلاله سبحانه .. لقد طلبوا خارقة. واستجاب الله. على أن يعذب من يكفر منهم بعد هذه الخارقة عذابا شديدا بالغًا في شدته لا يعذبه أحدا من العالمين:
"قال الله: إني منزلها عليكم , فمن يكفر بعد منكم , فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين"..
فهذا هو الجد اللائق بجلال الله ; حتى لا يصبح طلب الخوارق تسلية ولهوا. وحتى لا يمضي الذين يكفرون بعد البرهان المفحم دون جزاء رادع!
وقد مضت سنة الله من قبل بهلاك من يكذبون بالرسل بعد المعجزة .. فأما هنا فإن النص يحتمل أن يكون هذا العذاب في الدنيا , أو أن يكون في الآخرة. [1]
الدروس والعبر من القصة:
ولنا في هذه القصة الدروس والعبر ومنها:
1 -التركيز على حقيقة الوحدانية ودحض عقيدة التثليث.
لقد كان الحواريون - وهم تلاميذ المسيح وأقرب أصحابه إليه وأعرفهم به - يعرفون أنه بشر .. ابن مريم .. وينادونه بما يعرفونه عنه حق المعرفة. وكانوا يعرفون أنه ليس ربًا وإنما هو عبد مربوب لله. وأنه ليس ابن الله , إنما هو ابن مريم ومن عبيدالله؛ وكانوا يعرفون كذلك أن ربه هو الذي يصنع تلك المعجزات الخوارق على يديه، وليس هو الذي يصنعها من عند نفسه بقدرته الخاصة .. لذلك حين طلبوا إليه , أن تنزل عليهم مائدة من السماء , لم يطلبوها منه , فهم يعرفون أنه بذاته لا يقدر على هذه الخارقة. وإنما سألوه:
"يا عيسى ابن مريم , هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء ?"
وقضية الألوهية والربوبية كانت عليه مدار الآيات في معظم السورة، ولذلك ختم الله تبارك وتعالى هذه القضية بهذا الحوار بينه وبين عيسى عليه السلام في آخر السورة فقال:
(1) - المرجع السابق ص 999.