فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 111

طوال تاريخ الفكر السياسي إلى تصوير قيمة عليا تتخذ معيارًا عاماًّ لتصرفاته، وللأسف فإن مجرَّد وجود نظريات متناقضة في هذا الموضوع يعني الشكَّ في إمكانية أن تكون أي منها صحيحة كل الصحَّة. ومعيار المصلحة الوطنية - رغم شعبيته - شديد الغموض … وعندما تصطدم قيمتان أو أكثر فيما بينها فإن الأهمية النسبية لأي منهما يجب أن تقدر وترسى … وهذا التصنيف للقيم ليس سهلًا، لأن التركيز على أهميتها يتراوح من حالة إلى أخرى، وكثيرًا ما تحكمه العواطف … لا تبلغ القيم ذروة مدلولها السياسي إلا في الممارسة، أي عندما يحاول رجل الدولة أن يطابقها بالصورة الذهنية التجريدية الغامضة التي لديه عن البيئة … وهمزة الوصل الأساسية بين البيئة ورجل الدولة هي المعلومات … وبرغم أنه بإمكان كبار المسؤولين أن يطلعوا اطلاعًا تاما على المعلومات المتوافرة لحكوماتهم، إلا أنَّهم لا يستطيعون بأي حال من الأحوال هضم كل هذه المعلومات، وعندما تحمل المعلومات إليهم فإنها تكون في العادة قد تكثفت وانفصلت عن الواقع إلى درجة تسمح بإساءة تفسيرها تمامًا. ولكي يختار المرء ما يمكن الاعتماد عليه من بين خضم المعلومات والأحداث يجب أن يكون لديه معيارٌ لذلك الاختيار لتحديد أهميتها … وعملية تفسير الحقائق والوقائع ليست معقولة تمامًا. ولكنها غالبًا ما تتأثر بالعواطف وبنزعة البشر في أن يطمسوا ما لا يسرهم وبالتفكير المفرط في التمني … وهكذا يتضح أن ما نعرفه عن بيئتنا بعيد عن الواقع إلى درجة أننا بدلًا من أن نتكلَّم عن المعرفة يجب أن نستخدم كلمة"الصورة الذهنية"… وبمجرد أن يكوِّن السياسي صورة ذهنية عن موضوع أو عن دولة أخرى فإن هذه الصورة الذهنية تصبح بمثابة جهاز لتنظيم المزيد من المعلومات ومصفاةً تمر من خلالها هذه المعلومات، ولهذا فالصورة الذهنية لا المعلومات هي التي تحكم السلوك السياسي )) (ص 52) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت