(ب) - وللمقارنة أيضًا، في حرب الخليج وقعت مجندة أمريكية أسيرة في يد العراقيين، فاهتمَّت إذاعة B.B.C. بالسؤال عن قواعد الإسلام التي تحكم الأسرى، بالطبع السؤال لا محلَّ له، لأنَّ حكومة العراق حكومة بعثيَّة علمانية، وعقيدة البعث لا محلَّ فيها لتحكيم الدين أي دين. فحكومة العراق بمقتضى الحال لن تبحث عن أحكام الإسلام لتطبقها على أسراها، ولا أدري بماذا كان الجواب على سؤال الإذاعة. ولكن الجواب الصحيح في حالة الدولة المسلمة التي وقعت على اتفاقيات جنيف الدولية التي تحكم معاملة الأسرى، سوف تلتزم كحد أدنى بما تنص عليه هذه الاتفاقيات، ثم من وراء ذلك ومن فوقه ستعامل الأسير وفق المعايير الخلقية التي يهدي إليها القرآن والسنة الصحيحة، وهي بالطبع أوفى من الحد الأدنى الذي تلزم به الاتفاقيات الدولية.
نقارب هذا المثل بمثل (( طازج ) )، هو معاملة قوات التحالف الدولي لأسرى الحرب في أفغانستان. بالطبع لا نتوقع من اتفاقيات جنيف أن تسمح بقصف الأسرى، أو حرقهم بالديزل، أو إغراقهم بالماء المجمد، أو رميهم بالرصاص وهم مكتوفو الأيدي من الخلف، أو وهم يصلون، أو المعاملات اللاإنسانية الأخرى.
ولكن الأسوأ من ذلك أن الأمر لم يقتصر على انتهاك أحكام الاتفاقيات، بل تعدى إلى الجناية على نصوصها، إذ لكي يفر التحالف الدولي من نسبته إلى انتهاك الاتفاقيات الدولية أو نسبته إلى ارتكاب جرائم الحرب سمى المحاربين الذين أسروا وهم في حالة الدفاع ضدَّ الهجوم في المعركة الحربية والبرية إرهابيين ومعتقلين، مقرِّرًا سابقة خطيرةً لإلغاء الالتزام كلياًّ بقواعد القانون الدولي والمعاهدات الدولية عن طريق تغيير الاسم والتلاعب بالألفاظ.
بالطبع ليس المقصود هجاء أحد، وليست هذه المقالة مجال هجاء، وإنما كان المقصود رد الحقائق المقلوبة والمشوَّهة إلى وضعها الصحيح.
الحقيقة أن المعاهدات محور ارتكاز في منهج العلاقات الدولية في الإسلام.