صفوة القول: إنّ نوع البناء المطلوب كان على عصر الرسول صلى الله عليه وسلم هو من النوع الذي لا بد منه لإيقائهم من حر الصيف وبرد الشتاء، فلم يكن بذي الطول أو العرض، ولم يكن ترصد له المبالغ الكبيرة من الأموال كما هو مشاهد اليوم، بل كان متواضعًا جدًا.
كما أننا نستنتج أن شروط البناء في ذلك العصر هي الشروط نفسها في العصور التالية م حيث أن يكون البناء على تواضعه دقيقًا ومنظما، وأن يكون بالجص والآجر وليس من المذر إن أمكن لتقويته وصلابته خوفًا من الانقضاض أو السقوط، وكذلك تعريض الحيطان وتطويل السمك والمقابة بين الخشب لضمان تماسكها مع بعضها البعض كما أشار إلى ذلك سيدنا عمر رضي الله عنه، وأكد عليه كثير من الأئمة والفقهاء.
فالإمام محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله بين أن الإسلام حرص اشد الحرص على إبراز المعاني السابقة في البناء وعدم الضرورة في تنويعه إذ عبر عن ذلك بقوله:
(إنّ الأفضل أن يكتفي عن الدنيا بما لا بد منه، ويقدم لآخرته ما هو زيادة على ذلك مما اكتسبه، ولكنه لو استمتع بشيء من ذلك في الدنيا بعدما اكتسبه من حله لم يكن به بأس، والقول بتأثيم من ينفق على نفسه وعياله مما اكتسبه من حله وأدى حق الله تعالى فيه غير سديد(80) .
هذا ولما كان البناء وتشييده يختلف باختلاف الأحوال والأزمان، وباختلاف المدن والقرى والبوادي والأرياف، وباختلاف الطبقات الفقيرة والغنية، ومن حيث سعة البناء وضيقه، فإننا اليوم أمام صور كثيرة من البناء القديم الحديث، فمثلًا العلامّة ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع والعمران يرى أن الناس على اختلاف في هذا الشأن كالتالي (81) :
فمنهم الذي يتخذ القصور الفخمة العظيمة الساحة المشتملة على عدة من الدور والبيوت والغرف الكبيرة لكثرة ولده وحشمه وعياله وتابعه. ومنهم من يبني الدويرة الصغيرة لسكنه وولده لا يبتغي ما وراء ذلك لقصورحاله واقتصاره على السكن الطبيعي للبشر، ومنهم من يبني البيوت كحظائر من القصب والطين.
أما من حيث طبيعة البناء وتأسيس الجدران والتزويق والتنميق:
فكان منهم من يؤسس المدن العظيمة ذات الهياكل المرتفعة المتقنة الأوضاع والعلو في الإجرام مع الأحكام لتبلغ الصناعة مبالغها وأكثر ما تكون هذه الصناعة في الأقاليم المعتدلة.
هذه هي وجهة نظر الشريعة في نوع البناء المطلوب من حيث الطول والعرض والاتساع والعمق تبعًا للعصور الإسلامية المختلفة وخصوصًا في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وفي عصر عمر بن الخطاب رضي الله عنه. على أنه يجب ألا يفهم أنّ رضى الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته وقناعتهم بالقليل من البناء وعدم التطاول فيه ناتج عن قصورهم أو قصور الشريعة الإسلامية عن الإيفاء بمتطلبات تلك العصور والعصور اللاحقة، لكن العكس تمامًا هو الصحيح إذ أن الشريعة الإسلامية تهيب بأتباعها مواكبة كل جديد، والاستفادة من التقدم العمراني والعلمي والصناعي، بما يتناسب وحفظ قواعدها العامة وأصولها الكلية مع عدم التغافل أو النسيان أن لكل زمان وعصر رجاله وقدراته وأولوياته.