صفوة القول: إن آراء الفقهاء صريحة في عدم منع إطالة البناء أو تعميقه ما لم يكن هناك ضرر على الجيران وغيرهم، بل إنّ غالبية الفقهاء يميلون إلى تشجيع البناء العلوي بالغًا ما بلغ دون التدخل في أملاكهم ودورهم الخاصة. وعندي أن إطالة البناء لغير ضرورة لا تجوز وخاصة إذا كان ذلك يسبب إزعاجات مختلفة للجيران وغيرهم كحجب الضوء أو كشف العورات، كما صرح بذلك الحنفية والحنابلة. أما إذا كانت تعلية البناء لسد حاجات الناس من سكن وغيره لأجل الاقتصاد في البناء من حيث المساحة في الأرض والمال والشقق، فلا أظن أن ذلك يخالف نصوص الشريعة وروحها العامة، والله تعالى أعلم.
هذه هي آراء الفقهاء في تعلية البناء وإطالته فإذا ما انتقلنا إلى العصر الذي تلا العصر الراشدي -الذي لم يشجع ولاة الأمر فيه على تعلية البناء وتوسعته خشية الإسراف كما أشرنا وتمشيًا مع مرحلة الدعوة وأهدافها - إلى العصور اللاحقة كالعصر الأموي والعباسي مثلًا فإننا نجد أنّ البناء والتطاول فيه قد فاق حد التصور في عصور الخلفاء الأمويين والعباسيين كالمنصور والمهدي والمتوكل وعبد الرحمن الداخل والناصر، فقد كانوا مغرمين جدًا بالبناء، فالمتوكل مثلًا أمر بنقض قصري المختار والبديع في سامرا وحمل ما بينهما من خشب الساج لاستعماله في بناء قصره الجديد إضافة إلى بناء قصر آخر سماه (لؤلؤة) والذي تميز بعلو بنائه (125) .
ويكفي أن نذكر في هذا المجال أن مدينة المهدية في المغرب والأندلس والتي تقع جنوب القيروان قد شيدت بالصخر واتخذ لها المهدي بابين من الحديد لا خشب بينهما زنة كل باب منهما ألف قنطار وطوله ثلاثون شبرًا ووزن كل مسمار من المسامير التي استعملت في تركيبه ستة أرطال وأقيم فيها ثلاثة وستون صهريجًا للماء (126) ، وهناك مسجد الزهراء في الأندلس في عهد الخليفة الناصر حيث جعل طوله من القبلة إلى الجوف سوى المحراب سبعًا وثلاثين ذراعًا وعرضه من الشرق إلى الغرب تسع وخمسون ذراعًا (127) .
أما أبو جعفر المنصور فقد شيد قصرًا بلغت مساحته 160.000 ذراعًا مربعًا، وبنى مسجدًا إلى جانبه بلغت مساحته 40.000 ذراعًا (128) . والقنطرة التي بناها عبد الرحمن الداخل في قرطبة كان طولها 800 ذراع وعرضها عشرون باعًا وارتفاعها ستون ذراعًا وعدد حناياها ثمانية عشر ذراعًا وعدد أبراجها تسعة عشر برجًا (129) . يفهم من هذا غرامهم بالبناء وتعليته في حق أنفسهم مع تثبيطهم لغيرهم.
مع أن شراح القانون ومنفذيه لا يعترضون على صاحب الأرض أو المالك في أن يعلى بناءه فوق الأرض طبقات فوق طبقات كيفما شاء، ولا يعترضون أيضًا في أن يحفر تحت الأرض ليصل إلى العمق كيفما شاء، إلا أنهم يشترطون لذلك شروطًا أهمها:
1.أن تكون هناك مصلحة حقيقية للمالك نفسه وللناس عامة ويقصد بذلك انتفاعهم من حيث توفر فرص العمل والتشغيل وغير ذلك.
2.ألاّ يلحق جراء تعليته للبناء أو تعميقه له أي نوع من أنواع الأذى بالآخرين سواء أكانوا جيرانًا أم غيرهم.
وعلى هذا نصت المادة 803 من قانون البناء المصري بند (2) إذ ورد فيها مثلًا: