فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 39

(ملكية الأرض تشمل ما فوقها وما تحتها إلى الحد المفيد في التمتع بها علوًا وعمقًا) ونصت المادة 352 من القانون نفسه على ما يلي: (مالك سطح الأرض يعتبر مالكًا للعلو والعمق) وأكدت على المعنى نفسه المادة 1922/ 1 مدني إذ جاء فيها: (كل ما على الأرض أو تحتها من بناء أو غراس أو منشآت أخرى يعتبر من عمل صاحب الأرض إقامته على نفقته ويكون مملوكًا له) (130) .

وفي القانون الأردني الذي لا يمنع هو الآخر تعلية البناء، إلا أنّه وضع قيودًا لعدد الطوابق المسموح بها والعلو المسموح به، وذلك من بلد إلى بلد ومنطقة إلى أخرى، ومن بناء لآخر.

فمثلًا نصت المادة (5) من نظام الأبنية والتنظيم الصادر بمقتضى المادة 67 من قانون تنظيم المدن والقرى رقم 79 لسنة 66 على أن عدد الطوابق وارتفاع البناء المسموح به يختلف حسب المناطق السكنية عن غيرها.

وبمقارنة القانون مع الشريعة في تعلية البناء وعدد الأدوار والطوابق المسموح بها فوق الأرض، وعددها تحت الأرض نجد أن هناك فوارق ملموسة بينهما على الرغم من أن هناك تلاق في بعض النواحي، فمثلًا كانت حجرات الرسول صلى الله عليه وسلم كانت لا تشتمل على طوابق وأدوار، ولربما أقصى ارتفاع لها كان لا يتجاوز المتر ونصف المتر لأن الحسن رضي الله عنه كان يقول: (كنت أدخل بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في خلافة عثمان فأتناول سقفها) (131) ، فهذا يدل على أن الرجل العادي يستطيع أن يلامس مثل هذا السقف إضافة إلى أنه كان عليه الصلاة والسلام يأمر عائشة لتكف رجلها ليتمكن من السجود على الأرض دلالة على صغر المساحة (132) .

وعليه فإنّ القوانين الحالية وإن كانت لا تنص صراحة على أقصر طول مسموح في البناء، لكنها تنص على أطوال علوية محددة لا يجوز التغافل عنها أو تجاوزها كما هو الشأن في القانون الأردني، فمثلًا طول البناء المسموح به في الأردن في المناطق السكنية الخاصة كما هو موضح في القانون يجوز أن يصل إلى ثمانية أمتار، وفي المناطق العالية إلى ثمانية طوابق، ولا يخفى ما في هذا التباين بين عهده عليه الصلاة والسلام والوقت الحاضر من معنى الإسراف إن لم نقل الإسراف كله، ولا سيما إذا كان لا يوجد ثمة حاجة إليه.

وعندي أن ذلك يتبع وكما ذكرت تقدم المدنيات وتنوع الحضارات واتساعها، وعليه فإن الشريعة الإسلامية لا تمانع أو تحرم التطاول في البناء تبعًا للتقدم العمراني والحضاري وكثافة السكان في بعض المناطق وتدنيها في مناطق أخرى، وأيضًا توفيرًا للوقت والجهد والمال لأجل اختصار الأرض أو المساحة ليستفاد منها في أعمال زراعية أو صناعية أو إنشائية أخرى.

فكون الصحابة رضوان الله عليهم كرهوا التطاول في البنيان وإطالة العمق داخل الأرض لا يعني أنه حرام، إنما كرهوه لأحوال وظروف خاصة بهم وبزمانهم سواء أكانت هذه الأحوال والأسباب اقتصادية أو مالية أو سكانية أو تكنولوجية أو غير ذلك. وأيضًا فإنّ الشريعة الإسلامية لا تمانع في الوقت الحاضر من أن تلجأ السلطة الحاكمة إلى تحديد نوع البناء وطوله وعرضه وأدواره وطوابقه وعمقه آخذًا بمبدأ السياسة الشرعية وحرصًا على حياة الأفراد والجماعات كما هو معمول به في القانون الأردني والقوانين العربية الأخرى، وكذلك حفاظًا على أرواح الناس من حيث إبقاء مجاري الهواء والشمس والرياح مفتوحة، وتسهيلًا لحركة الطائرات والمركبات التي تحلق في الأجواء المرتفعة، وكذلك حماية للأعمال الهندسية المتعلقة بالتمديدات الكهربائية وأنابيب المياه التي تمتد إلى أعالي الجو وأعماق الأرض، ولا يخفى أن زيادة العلو في الجو او

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت