لا شك أن الشريعة الإسلامية التي جاءت برسالة عامة شاملة أهابت بالأنواع الضرورية من البناء التي في جملتها تدور في دائرة الاعتدال وعدم الإسراف (72) . ووضعت من الشروط العامة والخاصة ما تكفل سلامة الإنسان في بدنه وعقله (73) انطلاقًا من مبدأ الإسلام الثابت في قوله تعالى: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملومًا محسورًا"(74) ."
وقوله تعالى: (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا) (75) . (كل واشرب وتصدق في غير إسراف ولا مخيلة) (76) . ولذا نجده عليه الصلاة والسلام وأصحابه زاهدين في البناء وأنواعه، حريصين على عدم تكثيره مكتفين بذات الطين واللبن.
جاء في طبقات ابن سعد (رأيت بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حين هدمها عمر بن عبد العزيز كانت بيوتًا من اللبن ولها حجر من جريد مطرود بالطين عددها تسعة أبيات بحجرها، ولما دخل عليه السلام على بيت أم سلمة بعد غزوة نظر إلى اللبن فقال:(ما هذا البناء؟ فقالت: أردت يا رسول الله أن أكف أبصار الناس، فقال: يا أم سلمة إنّ شر ما ذهب فيه مال المسلمين البنيان) (77) .
فسياسة الرسول صلى الله عليه وسلم العمرانية كانت واضحة كل الوضوح تتمثل في التقليل من أنواع البناء والتطاول فيه ما أمكن وذلك تبعًا لأحوال المسلمين الذين كانوا منشغلين بظروف الدعوة وتبليغها والتي كانت تحول دون التركيز على الجانب العمراني إلى حد كبير.
ودرج على سياسة الرسول صلى الله عليه وسلم في التقليل من شأن البناء والاهتمام به سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فمع أنه يعد بحق المؤسس الأول للنظم العمرانية والاهتمام بمرافق الدولة، ومع أنه عرف عنه استحضار كبار المهندسين المعماريين أصحاب الاختصاص وتخطيط المدن، لكنه رضي الله عنه ما كان نوع البناء الذي اهتم به أوة سمح به يخرج عن دائرة المشروع، فقد كان على درجة كبيرة من الاعتدال وعدم الإسراف، فكان المسلمون في عهده يبنون مساكنهم بالقصب، ثمّ إذا غزوا نزعوا القصب وحزموه ووضعوه حتى يرجعوا من الغزو فإذا رجعوا أعادوا بناءه (78) .
وقد حدد رضي الله عنه نوع البناء المطلوب وطريقته والمادة التي تخلط لأجل البناء بتوجيهه الرائع حين قال: (كنت أكره لكم البنيان بالمذر، فأما وقد فعلتم فعرضوا الحيطان وأطيلوا السمك، وقاربوا بين الخشب) .
وهاله رضي الله عنه وهو في طريقه إلى الشام من صرح بني بجص وآجر فكبر وقال: (ما كنت أظن أن يكون في هذه الأمة من يبني بنيان هامان لفرعون) (79) .
أجل! بمثل ذلك وأقل منه كانت تنطلق سياسة المسلمين العمرانية لا رغبة عن البناء، إنما عزوفًا عنه إلى ما هو أهم منه.