فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 39

المتأمل في مبادئ الشريعة الإسلامية وأحكامها العامة يجد أن مساحة الأرض التي يجوز قيام وبناء المساكن عليها قليلة جدًا، وذلك لاعتبارات كثيرة تتعلق بالاعتدال وعدم الإسراف كما قلنا، وكذلك لأن الأمة الإسلامية أمة محاربة ودائمة الحركة والتنقل، وأن بناء المساكن والمدن تثقل الجيش الإسلامي وتجعله يميل إلى الراحة والدعة عن الوفاء والقيام بدوره في الجهاد. لهذه الأسباب حُظر على المسلمين زيادة الرقعة المسموح البناء عليها من الأرض كما حُظرت البنايات والطوابق ذات الأدوار والشقق العالية، بل إن سياسة الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته العمرانية، وخصوصًا سيدنا عمر رضي الله عنه كانت تميل إلى الاقتصاد والاختصار الشديد في ذلك، حتى أن مساحة حجرات الرسول صلى الله عليه وسلم التسع كانت لا تزيد عن 10 × 10 أمتار تقريبًا.

جاء في طبقات ابن سعد:-

(كانت أربعة بيوت من أبيات النبي صلى الله عليه وسلم بلبن حجر من جريد، وكانت خمسة أبيات من جريد مطينة لا حجر لها على أبوابها مسوح الشعر ذرعت الستر فوجدته ثلاثة أذرع في ذراع والعظم أو أدنى من العظم) (90) . ولقد كانت سياسة عمر رضي الله عنه العمرانية ألا تزيد رقعة الأرض المسموح البناء عليها أكثر من اتساع خيمة، وكذلك كان لا يسمح بأن تزيد مساحة أي بناء عن ثلاثة غرف.

وقد أوضح رضي الله عنه فلسفة البناء وطريقته من حيث الطول والعرض والارتفاع فيما يسمى اليوم بتخطيط المدن وهندستها بواسطة المهندسين والمستشارين حين قال: (كنت أكره لكم البنيان بالمذر، فأما وقد فعلتم فعرضوا الحيطان وأطيلوا السمك وقاربوا بين الخشب) (91) .

ولسائل أن يسأل فيقول: هل كانت سياسة عمر بن الخطاب رضي الله عنه العمرانية وافية بالغرض؟

والجواب ربما يكون بالنفي في مفهوم العصر الحاضر، لأن ذلك لا يوافق المستجدات الحديثة في العمارة والتعمير، ولا يتلائم مع رسالة البناء والسكن اليوم. ولكن عند التدقيق يبدو أن النهج الذي كان يقصده عمر رضي الله عنه أبعد من ذلك، وخصوصًا إذا ما تعلق الأمر بارتفاع البناء والتطاول فيه لأجل المفاخرة والزينة، لأنه رضي الله عنه توخى في سياسته العمرانية أن يحمي الدولة أول نشأتها من الترف والبذخ، وأن يحول بين الجند وبين الاستكانة إلى متاع القصور المشيدة والصروح الممدودة، وما فيها من بواعث الوهن والفتور (92) .

أقول: إنّ رسالة عمر بن الخطاب رضي الله عنه العامة كانت أبعد من بناء القصور وتشييد المساكن، وإن سياسته العمرانية كانت واضحة كل الوضوح إذ لا مجال في دولة ناشئة كدولته أن يركز على الجانب المتعلق بالبناء والمساكن ويترك الجانب المتعلق بسيادة الدولة وامتدادها شرقًا وغربًا لكثرة فتوحاتها وتأمين ثغورها، فسيادة عمر العمرانية التي أدركها رضي الله عنه بعقله وبصيرته النافذة لم تكن وليدة سوء أو قصور في الإدراك عن معنى البناء وأهميته، ولكنها الحرص على عدم الانغماس في الترف وما يدعو إليه، فلا ضرورة للتركيز على البناء قبل التركيز على ما يحمي البناء من تنظيمات وأولويات كثيرة كانت تواجهه، ولهذا نجده رضي الله عنه يميل إلى التركيز على الجانب العقدي والأنظمة المالية والاقتصادية أكثر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت