يتضح من كل ما تقدم تركيز الإسلام وحرصه على البناء كضرورة من ضروريات الحياة التي بها قوام الناس ومعاشهم واستمرار بقائهم، وإن هذه الأهمية لا تقل عن غيرها من الضروريات الأخرى كالمأكل والملبس، وفي الوقت نفسه يحرص الإسلام أن تظل هذه الأشياء الثلاثة (المسكن، المأكل، الملبس) مؤمنة ومكفولة من قبل الدولة باعتبارها جزءًا من واجبها الديني والوطني في توفيرها الحاجات الأساسية لأبنائها.
وقد دل البحث على أن روح الشريعة وأهدافها العامة ترى أن التسابق العمراني والتطاول في البناء على حساب الضرورات الأخرى غير لازم أو مطلوب شرعًا، أو على الأقل يجب اتباع سياسة التوسط والاعتدال والترشيد في البناء، وذلك لحث الشريعة الإسلامية على الوسطية في كل شيء، وبذلك يكون البناء تابعًا لأصل لا متبوعًا، أما أن يُفهم أنّ البناء والتطاول فيه هو الأصل أو الأهم وغيره هو الفرع أو المهم فذلك ضرب من التعسف وعدم الصحة والواقعية في النظر والحكم على الأشياء. وقد دل البحث أيضًا على مقولة الاكتفاء بالقليل، والرضا بالبسيط من البناء - لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته فعلوا ذلك - مقولة غير دقيقة، فمع أن سياسة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت واضحة بهذا الشأن - وهي بلا شك سياسة متقشفة إزاء البناء والإكثار منه، وأنه سيكون وبالًا على صاحبه في الآخرة - لكن تعاليم الشريعة لا تأبى البناء والإبداع فيه إذا كان ثمة حاجة له، وباعتقادي أن مثل دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم هذه كانت ترتبط بأزمنة وأمكنة معينة فرضتها طبيعة الحياة وبداية الدعوة الإسلامية في تلك الحقبة الأولى من عمر الدولة الإسلامية، أما وقد شهد المسلمون تقدمًا حضاريًا، وعاشوا عصر التقدم العمراني والتكنولوجي فأولى بهم أن لا يألو جهدًا في الأخذ بركب الحضارات والاستفادة من تجارب الأمم الأخرى في هذا المضمار، حتى لا يتهم الإسلام بالجمود وعدم الصلاحية لكل زمان ومكان، مع ضرورة المحافظة طبعًا على القواعد الأساسية والمبادئ الرئيسة في ألاّ تخرج أبنية المسلمين عن الأهداف السامية، والقيم النبيلة التي وضعت لها وأنشئت لأجلها.
كما دل البحث على أن القانون الوضعي يتفق تمام الاتفاق مع الشريعة الإسلامية بأن لا يكون البناء والتوسع فيه على حساب ضرورات الإنسان الأخرى من مأكل ومشرب وملبس، أو على حساب إيذائهم بأنواع التعدي الكثيرة مثل الإكراه على البناء في أرض لا يملكها، أو بتطويل أجنحة البناء وأشرعته على الشوارع والأملاك العامة.
ولذلك نرى رجال القانون قد وضعوا شروطًا دقيقة بهذا الخصوص، بحيث لا يُسمح أن يكون البناء على حساب أرواح الناس أو على حساب ممتلكاتهم الخاصة والعامة، كمن يفتح شباكًا يغلق فيه منافذ الهواء، أو يعلي بنيانه ليحجب نور الشمس عن الناس كما هو مشاهد ومستغرب في وقتنا الحاضر. وأخيرًا دل البحث على أن الشريعة والقانون متفقان تمام الاتفاق على وقف العمليات الإنشائية سواء كان ذلك في أعماق الأرض أو في أعالي الجو إذا أصبح ذلك يشكل خطرًا على حياة الناس.
هذا وبالله التوفيق