فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 39

التعمق في الأرض فيه ما فيه من إلحاق الضرر بالجماعة وحقها في تملك أشيائها من ماء وكهرباء ومعادن وغيرها.

أما بالنسبة إلى التهاوي والارتدادات الأمامية والخلفية والجانبية، فإن النصوص الشرعية قد اهتمت اهتمامًا كبيرًا بهذا الأمر، وإن بدا لأول وهلة أن ذلك غريبًا على تلك الفترة من بداية الدعوة الإسلامية لقلة العمران وعدم التوسع في المدنية، لانشغال المسلمين بتحصين دعائم الدولة الإسلامية وتثبيت أركانها وخاصة في العهود الإسلامية الأولى، لكن ما يفهم من روح الشريعة ونصوصها الحض على أن تأخذ التهوية أحكام الأبنية وذلك كما جاء في فروق القرافي وغيره الآتي: (وحكم الأهوية تابع لحكم الابنية فهواء الوقف وقف، وهواء الطلق طلق، وهواء الموات موات، وهواء المملوك مملوك، وهواء المسجد له حكم المسجد فلا يقربه الجنب ومقتضى هذه القاعدة أن يمنع بيع هواء المسجد والأوقاف إلى عنان السماء لمن غرز خشبًا حولها ويبنى على رؤوس الشب سقف عليه بنيان(133) .

وجاء في قواعد الزركشي: (الهواء في الأرض والبناء تابع لأصله، فهواء الطلق طلق، وهواء المسجد مسجد، وهواء الشارع المشترك مشترك، وهواء الدار المستاجرة مستأجر، حتى لو أراد الآجر أن يبني جناحًا في هواء الأرض المستأجره منع، وكذلك لأهل الدرب المشترك منع من أراد إشراع شيء في هوائه(134) حتى إنّ من أراد أن يحفر بئرًا كوقف من غير مساحة حوله كتهوية يمنع. جاء في قواعد الزركشي: (إن وقف بئرًا وأراد أن يبني بإزائها جدرانًا وسقف عليها سقفًا يمر في هواء البئر منعناه وإن كان لا يضر بالبئر(135) .

هذا ويمكن القول: إن حقوق الارتفاق وحقوق الشرب وغيرها التي تكلم عنها الفقهاء فيها ما يوجب ترك مساحات ومسافات كافية للتهاوي وذلك لفوائدها في الجملة التي منها مثلًا إبقاء مسرب الهواء جاريًا للتنفس، ومنعًا من سد الطرقات ومسايل الماء، ففي فروق الجرجاني:

(إذا نشزت أغصان شجرة في داره إلى دار جاره كان له منعه، فإن صالحه عنها بعوض على أن يتركها في هواء داره لم يجز لأنه أخذ العوض عن مجرد الهواء وذلك لا يجوز) (136) .

يفهم من هذا النص أنه حتى لو اتفق الجيران على إغلاق أو إحكام منافذ الهواء بينهم، أو إغلاق التهاوي بالبناء ومد أغصان الأشجار ونحوه لا يجوز، لما في ذلك من ضرر على حياتهم من حيث التنفس وغيره فيجب أن يظل طريق الهواء مفتوحًا كضرورة من الضرورات، لأن الشريعة تكفلت بحفظ الضروريات والحاجيات والتحسينيات التي بها مصالح الناس، وكذلك لأن الهواء كما أشار ابن حزم لا يجوز بيعه أصلًا فهو لا يستقر فيضبط بملك أبدًا إنما هو متموج يمضي منه شيء ويأتي آخر ابدًا (137) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت