وللأنصاري اذهب فاخلع نخله)، حيث أن سمرة هذا كان له عضد من نخل في حائط رجل من الأنصار، قال: ومع الرجل أهله، وكان سمرة يدخل إلى بستانه فيتأذى به ويشق عليه، فطلب إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يناقله فأبى قال: فهبه لك كذا وكذا رغبة فيه فأبى فقال: (أنت مضار) ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصاري اذهب فاخلع نخله (52) .
صفوة القول: إنّه عليه الصلاة والسلام أكدّ على البناء وأهميته، وأصّل القاعدة العظيمة في شأن حرمة الأرض والبناء والمساكن، والأشخاص الذين يسكنون فيها ويقيمون عليها، تلك القاعدة التي تضمّنها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الشامل للبناء والمساكن والأنفس وغيرها الذي أخرجه الحاكم والدار قطني والبيهقي عن أبي سعد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا ضرر ولا ضرار من ضار ضاره الله ومن شاق شاق الله عليه) (53) .
والذي تناقله الفقهاء والعلماء وعدوّه أصلًا من الأصول التي يدور عليها الإسلام وتناقلته جماهير الأمة واحتجوا به، وأدرجوه في قائمة الأحاديث التي يدور عليها الفقه الإسلامي، والأساس لمنع الفعل الضارّ، والمقياس الذي يقيس عليه القاضي وجه العدالة في فضّ الخصومات بين المتنازعين، وقد أوردته هنا بشيء من التفصيل لبيان حقيقة الضرر وأنه بما يعقبه من ظلم يؤدي إلى خراب العمران بأجمعه والذي يشكل البناء والمساكن الجزء البارز والضروري فيه، مما يتعطل مع فواته نظام الكون ودورة الحياة على الأرض.
أجمع فقهاء الإسلام على ضرورة بناء المساكن والدور لحفظ حياة الإنسان على الأرض ووقايته من حرّ الصيف وبرد الشتاء، وحفظه من عيون الرقباء والمارة، وعدّوًا ذلك واجبًا بأمر ولي الأمر (54) . جاء في محلّى ابن حزم ما نصه:
(وفرض على الأغنياء من أهل بلد أن يقوموا بفقرائهم ويجبرهم السلطان على ذلك إن لم تقم الزكوات بهم، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه، ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك، وبمسكن يكنهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة) (55) .
ويسجل الإمام علي رضي الله عنه في كتابة للأشتر النخعي أروع ما يدل على الاهتمام ببناء الدور والمساكن وعمارة الأرض عندما قال له:
(هذا ما أمر به عبدالله عليّ أمير المؤمنين مالك بن الحارث الأشتر في عهده إليه حين ولاّه مصر جباية خراجها وجهاد عدوها واستصلاح أهلها وعمارة بلادها، إلى أن يقول: وليكن نظرك إلى عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج، لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة، ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد ولم يستقم أمره إلا قليلًًا) (56) ، ولا شك أنّ بناء المساكن والدور جزء أساسي من عمران الأرض بل يأتي في المقدمة من حيث ضرورته.
لكنّ الفقهاء في الوقت ذاته حذروا أشد التحذير وأجمعوا على ضرورة تحريم بناء المساكن والدور العالية التي يقصد بها إلحاق الضرر بالناس أيًا كان نوع الضرر وعلى الخصوص بين الجيران، وذلك لما بين الجيران من المصالح المشتركة الكثيرة فتراهم قد صرّحوا بالمنع إذا كان البناء والتطاول يؤدي إلى كشف