عورات الجيران، أو حجب النور والهواء والشمس عنهم، أو تسبب بعض الأمراض لهم، كما لو أنشأ الجار مصبغة أو كنيفًا أو مدبغة تتسرب منه الروائح الكريهة، أو فرنًا يتسرب منه الدخان.
يقول الإمام الغزالي رحمه الله: (ولا تستعل عليه بالبناء فتحجب عنه الريح بإذنه(57) ، ويقول الإمام ابن فرحون المالكي: (إن أحدث غرفة يطلع منها على اسطوانة جاره منع، وسواء كان الزقاق نافذًا أو غير نافذ) (58) . ويجمع الإمامان ابن القيم والسرخسي على عدم جواز فتح الجار شباكًا يشرف منه على جاره، ولا أن يحفر بئرًا قريبًا من بئر جاره فيذهب ماؤه لما في ذلك من ضرر متعمد) (59) ، وصرحًا كذلك بعدم جواز إنشاء كنيف أو فرن أومدبغة أو طاحونة لما في ذلك من ضرر متحقق على الجيران) (60) .
ولقد جاء عن صاحب نهاية المحتاج أن من أنشأ في داره بين الناس معمل نشادر وشمه أطفال فماتوا بسبب ذلك يضمن لمخالفته العادة) (61) .
وقال صاحب المغني بشأن المساكن والأبنية المتعلقة بالجيران ما نصه:
(وإن كان سطح أحدهما أعلى من سطح الآخر فليس لصاحب الأعلى الصعود على سطحه على وجه يشرف على سطح جاره إلا أن يبني سترة تستره(62) ، وأضاف: (ليس للرجل التصرف في ملكه تصرفًا يضر بجاره نحو أن يبني فيه حمامًا بين الدور، أو يفتح خبازًا بين العطارين، أو يجعله دكان قصارة يهز الحيطان ويخربها، أو يحفر بئرًا إلى جانب بئر جاره يجتذب ماءها) (63) . وقال صاحب المبسوط: (أرأيت لو أراد أن يجعل فيها أي داره رحى أو حدادًا أو قصارًا كان للآخر أي للجار الآخر منعه) (64) .
وجاء في تبصرة الحكام ما يمنع إحداث أي شيء من بناء وملحقاته يضر بالجار ولو كان الضرر قليلًا ما نصه: (وإما إحداث باب قبالة باب الجار فقال في المدونة: وليس لك أن تفتح في سكة غير نافذة بابًا يقابل باب جارك أو يقاربه ولا تحول بابًا هناك إذا منعك، لأنه يقول الموضع الذي تريد أن تفتح لي فيه مرافق افتح بابي وأنا في سترة، فلا أدعك أن تفتح قبالة بابي أو قربه فتتخذ علي فيه المجالس وشبه ذلك من الضرر، فلا يجوز أن يحدث على جاره ما يضره، وأما في السكة النافذة فلك أن تفتح ما شئت أو تحول بابك حيث شئت) ، ويضيف: (إن أحدث على جاره كّوة للضياء فقام جاره عليه في ذلك فإنه ينظر أهل البصر إليها فإن كان فيها ضرر بجاره منع وأغلق) (65) .
نستنتج من هذا أنّ كثيرًا من الفقهاء والعلماء والمفسّرين قدامى ومحدثين أشادوا بقيمة البناء المتعلقة بمساكن الناس ودورهم، لأنها تشكل مع غيرها من الحاجات الأخرى كاللباس والشراب ما به قوام الحياة واستدامة المعايش، وصرّحوا بأنها مندوبة شرعًا وعقلًا لما فيها من حفظ النفوس وحراسة الحواس، ونرى الفريق الآخر من العلماء والفقهاء قد قسم المساكن والدور إلى وواجبة كما في حالات عمارة القناطر اللازمة والمسجد الجامع، ومندوبة كما في حالات عمارة المساجد، ومباحة كما في حالات عمارة المنازل، وحرام كما في حالات الحانات أو ما بنى للمباهاة إذا كان من مال حرام (66) ، بل إن بعضهم قد عقد فصولًا كاملة مُنوّهًا بقيمة البناء والمساكن كالماورديّ والغّزاليّ والشاطبّي وابن خلدون والنوويّ والزمخشريّ والقرطبيّ وغيرهم (67) .
أما علماء القانون والمهندسون المعماريون والبناءون اليوم فإننا نجد أن المهم آراء قيمة في الحض على العمران وإقامة المباني وتشييدها وتصميمها وهندستها، ومنع الاعتداءات والتجاوزات على حقوق الإنسان العامة وحقوق الجيران الخاصة.