يهتم علماء القانون الوضعي وشراحه بأنواع العمران، ويقيمون وزنًا كبيرًا للبناء وشروطه، وذلك لما لهما من دلالات كبيرة على رقي المجتمع واستقراره وتقدمه اقتصاديًا واجتماعيًا وماليًا، ويحاولون مع أهل الاختصاص والخبرة من المهندسين والبنائين وأصحاب الورش وغيرهم ضبط عمليات البناء وإشادة العمران، مع تقديرهم أن حاجات الناس قد تغرت وأذواقهم قد تبدلت عند الكثير منهم، فما كان يكفي مجموعة كبيرة من الأسر في السكن وغيره من السابق أصبحخ لا يكفي للشخص الواحد اليوم، وهذا كله وكما قلنا ناتج عن التطور والتسابق السياسي والاجتماعي والصناعي والعمراني الهائل الذي يشهده العالم اليوم، والذي نتج عنه تغير الأفكار واختلاف المستويات والأحوال. وعلى أي حال فإننا اليوم أمام وضع يتجاذبه طرفان أو فريقان بهذا الخصوص:
فريق أو طرف يدعو إلى عدم التسابق في العمران وتشييد البناء أو على الأقل التريث، غذ أن تشييد القصور الفخمة والبنايات العظيمة عندهم نوع من أنواع اللهو غير المبرر والاشتغال بغير الأولى.
أما الفريق أو الطرف الثاني فيدعو إلى التحفز والتسابق في البناء والعمران وذلك للنزعة الحضارية الغالبة عند هؤلاء، إذ أن هذا الفريق يعكس الفريق الأول تمامًا فعنده تشييد القصور الفخمة وإقامة البنايات ذات الطوابق والأجنحة المتعددة هو المطلوب له وللناس جميعًا، وهو اشتغال بالأصح وتقديم الأولى، وباعتقادي أن القانون يميل إلى تغليب فكرة الفريق الثاني وإشهارها وتعميمها بين الناس.
ومهما تكن الأسباب والحجج التي يعتمدها كل فريق فإنّ شراح القانون ومنفذيه وبمعاونة السلطات المختلفة يحضرون على كل جديد، بل يشجعون الإبداع والابتكار في تنفيذ العمليات الإنشائية الضخمة لتوفير المساكن الجيدة لمختلف طبقات الشعب العليا والمتوسطة وذات الدخل المحدود، بل إنهم يقدمون كل الحوافز والدعم المادي عن طريق تقديم القروض طويلة الأجل لتنفيذ المشاريع الإسكانية التي تعود بالنفع العام على المواطن نفسه والمجتمع والدولة.
لكنهم في الوقت نفسه يحذرون أشد التحذير أن يصل الأمر بالمواطنين إلى درجة التبذير والإسراف، وفي هذا يتفق القانون والشريعة في فهم أضرار التبذير والإسراف وتبديد الطاقات.
والذي أراه بعد مناقشة أدلة كل من الفريقين أنه ربما يكون كل منهم مصيبًا في رأيه تبعًا للهدف والاتجاه الذي يميل اليه فإذا كان هدف الفريق الأول الدعوة إلى الجمود أو التخويف من الانجراف مع الحضارة، والاكتفاء بتشبيك الأيدي فباعتقادي أنه غير مصيب، أما إذا كان الهدف حتى يصلح الحال ويسعد الناس فشيء مقبول ومحمود. والوصف ذاته ينطبق على رأي الفريق الثاني، فإذا كان هدفهم من التحفز والتسابق في العمران وتشييد البناء لمجرد اللهو وتبديد الأموال وإرضاء النزوات فهو غير مصيب قطعًا. ومن أن الشريعة وكما أسلفت تحبذ الأخذ بفكرة العمارات البسيطة والشقق المتواضعة، وذلك تبعًا لظروف الدعوة الإسلامية ومستلزماتها حيث لم يصل إلينا الكثير من أنواع البناء كما نراها اليوم، لكنها على أي حال لا تمانع من الأخذ بفكرة التطور الذي يشهده العالم المتمدن والمتحضر في هذا المجال:
1.البناء المؤلف من الشقق ذو الطبقات العالية والمرتفعة.
2.البناء المفرد (الفيلات) .