الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وبعد:
فإن الله عز وجل الذي خلق الأرض ونَظّمها أوجب عمارتها وبناءها بشتى أنواع البناء والعمران، قال تعالى: (هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها) (1) وذلك لما للبناء من أهمية في حياة الناس واستقامة معاشهم. فعمران الأرض على العموم، والبناء وإشادة المساكن على الخصوص من جملة الواجبات والضرورات التي لا تدوم الحياة إلا بهما، ولا تكمل مصالح العباد إلا بوجودهما، حيث إنّ مصالح العباد التي تنبني عليها الأحكام الشرعية تحتاج لاستمرارها إلى طعام صالح يقيم للإنسان أوده، وملبس صالح يستر عورته، ومسكن صالح يقيه حرّ الصيف وبرد الشتاء.
وقد عبّر عن ذلك الإمام العز بن عبد السلام فقال: (فأما مصالح الدنيا فتنقسم إلى الضروريات والحاجيات والتحسينيات والتتمات والتكملات، فالضروريات كالمآكل والمشارب والملابس والمساكن والمراكب والجوالب للأقوات وغيرها مما تمسّ إليه الضروريات. وأقل المجزي من ذلك الضروري، وما كان في ذلك في أعلى المراتب كأكل الطيبات والملابس الناعمات والغرف العاليات والقصور الواسعات والمراكب النفيسات، ونكاح الحسناوات والسراري الفائقات فهو من التتمات والتكملات وما توسط بينهما فهو من الحاجيات) (2) .
ويرى الإمام الغزالي رحمه الله (إن نظام الدين بالمعرفة لا يتوصل إليهما إلا بصحة البدن وبقاء الحياة وسلامة قدر الحاجة من الكسوة والمسكن والأقوات والأمن) (3) أضف إلى هذا فإن بناء المساكن وعمارة الأرض لأجل التمكين فيها هو من جلة الغرائز الفطرية لحفظ النوع الإنساني بموجب العهدة الربانية والاستخلاف الإلهي الممنوح للإنسان على هذه الأرض، وبطبيعة الحال فإنّ هذه العهدة وذلك الاستخلاف تجعل الإنسان مكلّفًا وملزمًا بعمارة الأرض وتشييد المساكن عليها، قال تعالى: (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض) (4) ، وقال عز من قائل: (وإذ قال ربك للملائكة إنّي جاعل في الأرض خليفة) (5) .
يضاف إلى ذلك أنّ البناء وتشييد المساكن من العوامل الرئيسة في التقدم البشري التي جاءت بها رسالات الأنبياء والرسل، وحضّت عليها دعوات المصلحين والحكماء، حتى إنّ آدم عليه السلام عندما أخرجه الله من الجنة لم يجد بدًا من أن يهبط إلى الأرض ليقيم صرح مملكته وذلك بتدبير إلهي حكيم، قال تعالى:
(قال اهبطا منها جميعًا بعضكم لبعض عدو) (6) وقال سبحانه: (وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين) (7) .
وكذلك فإن تشييد المساكن والبناء له دلالات كثيرة، أهمها التقدم في العلوم المختلفة، وظاهرة عظيمة من ظواهر المدنية والحضارة وتقدّم الصناعة وغيرها، وكما قال ابن خلدون: (فإن نسبة العمران وكثرة الأمصار يتناسب مع جودة الصنائع وكثرتها) (8) ، وتراه قد ركز أيضًا على أن بناء البنايات والمساكن المختلفة أهم الصنائع على الإطلاق فقال: