فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 39

(هذه الصناعة أول صنائع العمران الحضري وأقدمها وهي معرفة العمل في اتخاذ البيوت والمنازل للسكن والمأوى للأبدان في المدن، وذلك أنّ الإنسان لما جبل عليه من الفكر في عواقب أحواله لا بد أن يفكر فيما يدفع عنه الأذى من الحرّ والبرد، كاتخاذ البيوت المكتنفة بالسقف والحيطان من سائر جهاتها، والبشر مختلفون في هذه الجبلة فمنهم المعتدلون فيها فيتخذون ذلك باعتدال أهالي الثاني والثالث والرابع والخامس والسادس، وأمّا أهل البدو فيبعدون عن اتخاذ ذلك لقصور أفكارهم عن إدراك الصنائع البشريّة فيبادرون للغيران والكهوف المعدّة من غير علاج) (9) .

لأجل المعاني السابقة المتعلقة بالبناء والمساكن تبارى المهندسون والمبدعون قديمًا وحديثًا في إبراز مواهبهم واستغلال طاقاتهم في البناء فشيدوا المدن وتطاولوا في البنيان شرقًا وغربًا، وشمالًا وجنوبًا حتى أصبحنا نرى مدنًا تطاول عنان السماء فيما يسمى اليوم بناطحات السحاب. فقلما نجد منشأة أو مدينة أوروبية تخلو من هذا الوصف، فمثلًا في طوكيو عاصمة اليابان وحدها ما لا يقل عن 300.000 منشأة أو بناية، كل بناية تتألف من 100 طابق وبمختلف أنواع الحجوم والأشكال، ومثل ذلك نجد المدن الأوروبية الأخرى في أمريكا وفرنسا وبريطانيا وغيرها.

ومع هذا التسارع العجيب في البناء والتقدم العمراني نتيجة للتقدم البشري والتطور الحضاري الهائل للإنسان، فإننا نجد أخطاء بشرية فادحة تتعلق بهذا البناء مما يهدّد حياة الإنسان نفسه، ويؤثر على وجوده وذلك لما يصاحب هذا التقدم وذلك التطور من تجاوزات واعتداءات خطيرة على حقوق الناس العامة والخاصة، ومن مخالفة للتعاليم الشرعية والنظام الإسلامي العام، والنظام القانوني بسبب إطالة البناء أحيانًا، والإسراف فيه أحيانًا أخرى.

إزاء ما تقدم أجد نفسي أمام موضوع هام وخطير يحتاج إلى سبر أغوار لبيان رأي الإسلام فيه بصورة قاطعة، وخصوصًا في هذا الزمن الذي أخذت تتكرر فيه الاعتداءات والتجاوزات المتعلقة بهندسة البناء النظري والتطبيق على الواقع من حيث الزيادة في طول البناء على حساب الشوارع والطرقات والمتنزهات العامة والخاصة، ومن حيث عدم ترك الفراغات والارتدادات والتهاوي المطلوبة.

فرأيت من الواجب بيان حكم الشريعة الغراء وحكم القانون في مثل هذه المسائل التي أخذت تشغل معظم أوقات الناس وتقلق راحتهم، لأنّ الاختلاف فيها يؤدي أخيرًا إلى اللجوء إلى المحاكم لفض المنازعات مما نحن في غنى عنه لو اتّبعنا تعاليم الشريعة الإسلامية في ذلك.

والذي أتمناه من خلال هذا الموضوع وعبر صفحاته اللاحقة الخروج بنتائج واضحة وقرارات حكيمة لمثل هذه المسائل الهامة حتى يتنبّه لها الضالّ، ويهتدي إليها التائه، ويرعوي لها المتغطرس لوقف مثل هذه التجاوزات الجائرة والاعتداءات المتكررة المتعلقة بالبناء على الفرد والأسرة والمجتمع.

هذا ومع أني أتوق للكتابة في هذا الموضوع لكني لا أزعم أنني السباق إليه، فقد طرقه علماؤنا رحمهم الله من زوايا مختلفة حسب الزمان والمكان والظروف التي عاشوها، والبيئات التي ألفوها ووجدوا فيها، وصال وجال فيه حديثًا رجال القانون وشراحه، وأصحاب التخصصات من مهندسين ومعماريين وأصحاب ورش وغيرهم، إذ قلما تجد دولة أو مدينة أو قرية يخلو نظامها من تشريع مقنن، وكلام مكتوب في هذا المجال.

وحيث إنني لم أجد كتابًا فقهيًا متخصصًا سبر أغوار مسائل البناء التي نحن بأشد الحاجة وأمسها إليه، رأيت أنّ المحاولة لبيان وتأصيل حكم الشريعة والقانون بهذا الشأن نافعة، للخروج بنتائج نستفيد منها جميعًا باحثين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت