أخرجه البخاري، كتاب البيوع، باب كسب الرجل وعمل يده، 3/ 74. ولا شك أن بناء الدور والمساكن يتعلق جزء كبير منها باليد.
ويقول عليه السلام حاثًا على الزراعة التي بها العمران عمومًا، وبواسطتها تنشط العمليات الإنشائية المتعلقة بالدور والمساكن: (ما من مُسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا فيأكل منه طائرٌ أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة) . أخرجه البخاري، كتاب الوكالة، باب فضل الزرع والغرس، 3/ 135، ومسلم، كتاب المساقاة، 10/ 215، وأحمد في المسند، 3/ 147.
يعلق النووي رحمه الله على ذلك فيقول: (فالصواب ما نص عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عمل اليد، فإن كان زارعًا فهو أطيب المكاسب وأفضلها لأنه عمل يده، ولأن فيه توكلًا ونفعًا عامًا للمسلمين والدواب، ولأنه لا بد في العادة أن يؤكل منه بغير عوض فيحصل له أجره، وإن لم يكن ممن يعمل بيده، بل يعمل له غلمانه وإجراؤه فاكتسابه بالزراعة أفضل) . أنظر المجموع شرح المهذب، 9/ 59.
ويعلق العيني رحمه الله هو الآخر على ذلك فيقول: (ينبغي أن يختلف المال في ذلك باختلاف حاجة الناس، فحيث كان الناس محتاجين إلى الأقوات كانت الزراعة أفضل للتوسعة على الناس، وحيث كانوا محتاجين إلى المتجر لانقطاع الطرق كانت التجارة أفضل، وحيث كانوا محتاجين إلى الصنائع أشد كانت الصنعة أفضل وهذا حسن) . أنظر عمدة القاري شرح صحيح البخاري، 10/ 156، وانظر علي عبد الرسول، المبادئ الاقتصادية، ط 2، دار الفكر العربي، القاهرة، 1980 م، ص 43. ويقول عليه السلام حاثًا على الصناعة التي بها هي الأخرى عمران الأرض والذي يشكل بناء المساكن والعمارات الجزء الأهم فيها: (إن الله ليُدخل بالسّهم الواحد ثلاثة نفر الجنة، صانعه يحتسب فيه الخير، والرامي به، ومُنبله واَرْموا واركبوا ومن ترك الرمي بعد ما علمه فإنها نعمة تركها أو قال كفرها) . أخرجه أبو داود في السنن، كتاب الجهاد، باب الرمي، 30/ 13، والترمذي في السنن كتاب الفضائل 4/ 149، باب ما جاء في فضل الرومي، وقال: حديث صحيح والنسائي في السنن، كتاب الجهاد، فضل من رمى سهم في سبيل الله، 6/ 28، وأحمد في المسند، 4/ 144، 146.
ويعلق الشعراني الذي كان من دعاة التصوف على أهمية الصناعة وتفضيل الصنائع على غيرهم من العباد فيقول: (إن نفع العبادة مقصور على صاحبها، أما الحرف فنفعها لعامة الناس، وكان ما أجمل أن يجعل الخياط ابرته سبحته، وأن يجعل النجار منشارة سبحته) .
ويقول عليه السلام مبينًا قيمة التجارة التي تحيي العمران وتشجع على بناء المساكن والدور:
(التاجر الأمين الصَدُوق مع الشهداء يوم القيامة، وفي رواية:(التاجر تحت ظل العرش يوم القيامة) . أخرجه الترمذي في الجامع الصحيح، كتاب البيوع، باب ما جاء في التجارة، 3/ 515، وقال حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وابن ماجه في السنن، كتاب التجارات، باب الحث على المكاسب، 2/ 427.
ويعلق إبراهيم النخعي أحد التابعين على ذلك فيقول: (التّاجر الصدوق أحب إليّ من المُتفرع للعبادة لأنّه في جهاد يأتيه الشيطان من طرق المكيال والميزان، ومن قبل الأخذ والعطاء فيجاهد) . أنظر، يوسف القرضاوي، مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام، مؤسسة الرسالة، ط 7، بيروت، 1987 م ص 44. ويعلق ابن خلدون على كل هذه الوسائط من المكاسب فيقول: (إذا قعد الناس عن المعاش وانقبضت أيديهم عن المكاسب كسدت أسواق العمران وانقضت الأحوال وابذعرّ الناس في الآفاق من غير تلك الإيالة في طلب