فليس بمقيم وإن نوى ذلك كما أنه لو نوى إقامة ساعة أو نحوها لم يكن بساعته تلك داخل في حكم المقيم ولا في أحواله.
ومن الحجة أيضا في ذلك أن عمر رضي الله عنه حين أجلى اليهود جعل لهم إقامة ثلاثة أيام في قضاء أمورهم وإنما نفاهم عمر لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يبقى دينان بأرض العرب.
ألا ترى أنهم لا يجوز تركهم بأرض العرب مقيمين بها فحين نفاهم عمر وأمرهم بالخروج لم يكن عنده الثلاثة أيام إقامة وهذا بين لمن لم يعاند ويصده عن الحق هواه وعماه.
قال ابن عبدالبر [1] : واحتج أبو ثور لقوله في هذه المسألة بأن قال لما أجمعوا على ما دون الأربع أنه يقصر فيها واختلفوا في الأربع فما فوقها كان عليه أن يتم وذلك أن فرض التمام لا يزول باختلاف.
قال أبو عمر ابن عبدالبر في الاستذكار [2] : اختلف العلماء في المدة التي إذا نوى المسافر الإقامة فيها لزمه إتمام صلاته. فذهب مالك إلى ما ذكره في هذا الباب عن عطاء الخرساني عن سعيد بن المسيب (يعني قوله: من أجمع إقامة أربع ليال وهو مسافر أتم الصلاة) ، وقال في موطئه: إنه أحب ما سمع إليه في ذلك؛ فدل ذلك على سماعه الاختلاف في ذلك
وذكر بن وهب عن مالك قال: أحسن ما سمعت والذي لم يزل عليه أهل العلم عندنا؛ أن من أجمع إقامة أربع ليال وهو مسافر أتم الصلاة.
قال أبو عمر: وإلى هذا ذهب الشافعي وهو قوله وقول أصحابه وأبي ثور وداود.
قال: وخالفه في ذلك بعض أهل الظاهر.
قال أبو عمر ابن عبدالبر في الاستذكار [3] : قال الشافعي إذا أزمع المسافر أن يقيم بموضع أربعة أيام بلياليهن أتم الصلاة ولا يحسب في ذلك يوم نزوله ولا يوم رحله. وقول أبي ثور في ذلك كقول الشافعي ومالك.
وقد روي عن أبي جعفر محمد بن علي بن حسين وعن الحسن بن صالح بن حي مثل ذلك على اختلاف عنهما في ذلك.
وروى قتادة عن سعيد بن المسيب قال إذا أقام المسافر أربعا صلى أربعا، وذكره وكيع عن هشام الدستوائي عن قتادة عن سعيد بن المسيب.
وهذا في معنى رواية عطاء الخراساني عن سعيد بن المسيب، وهو عندي أثبت ما روي في ذلك عن سعيد بن المسيب والله أعلم.
وقد روي عنه في ذلك ثلاثة أقوال أذكرها كلها في هذا الباب إن شاء الله، والحمد لله.
قال الشافعي وأبو ثور ومن ذلك ما روي في هذا حديث العلاء بن الحضرمي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جعل للمهاجر مقام ثلاثة أيام بمكة بعد قضاء نسكه، ومعلوم أن مكة لا يجوز لمهاجري أن يتخذها دار إقامة، فأبان رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ثلاثة أيام لمن نوى إقامتها لحاجة ليست بإقامة يخرج فيها الذي نواها عن حكم المسافر وأن حكمها حكم السفر لا حكم الإقامة، فوجب بهذا أن يكون من نوى المقام أكثر من ثلاث فهو مقيم ومن كان مقيما لزمه الإتمام، ومعلوم أن أول منزلة بعد الثلاث: الأربع.
ويعضد هذا أيضا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرضه الذي توفي فيه: (لا يبقين دينان بأرض العرب) ، وأمر بإخراج يهود الحجاز لم يجعل لهم غير مقام ثلاثة أيام إذ أمر بإخراجهم فكانت عنده مدة الثلاثة الأيام إقامة بلا إقامة ...
قال أبو عمر ابن عبدالبر في الاستذكار [4] : وقال سفيان وأبو حنيفة وأصحابه إذا نوى الرجل إقامة خمس عشرة ليلة أتم الصلاة وإن كان دون ذلك قصر، وروي مثله عن ابن عمر وسعيد بن المسيب.
(1) المرجع السابق 11/ 186.
(2) الاستذكار 6/ 101.
(3) المرجع السابق 6/ 101 - 103.
(4) المرجع السابق 6/ 104.