الصفحة 21 من 34

الدعوى، ولو دلّنا على وجود الملهمين وأنهم ملزمون العمل به - وذلك بإضافة مقدمة: لا فائدة من العلم إلا العمل بمقتضاه - لما دلّنا على وجوب العمل على غيرهم بإلهامهم [1] .

8 -واستدلوا بأمر الله عز وجل موسى عليه السلام باتباع الخضر مع أن موسى نبي مرسل، وكان الحق بجانب الخضر فيما اختلفا فيه من المسائل، وانقاد له موسى فيما عرفه بالإلهام.

وردّ بأنه لا خلاف فيما إذا أمر الله عز وجل أحدًا بمتابعة بعض أصفيائه والتعلم منه، ولا يمكن ذلك لغير الأنبياء [2] .

9 -واستدلوا بقوله عز وجل: (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه) [3] وكان ذلك بطريق الإلهام [4] .

وأجيب بأن هذه الآية تدل على وجود الملهمين بين الناس، وعلى أنهم عملوا بذلك، إلا أنها لا تدل على أن غيرهم ملزمون بالعمل بإلهامهم، فالدليل لا يثبت الدعوى كاملًا.

قال أبو مظفر السمعاني: (وأما وحي أم موسى، فأمر نقول به، وبيانه: أن أم موسى خافت على موسى القتل من فرعون لما ظهر من سنته، ومن خاف على نفسه الهلاك حلّ له إلقاء نفسه في البحر إن رجا فيه النجاة بوجهٍ، وراكب السفينة إذا ابتلي بالغرق حل له ركوب لوح في البحر، ولأن من ابتليَ بشرّين لزمه اختيار أهونهما، فقد فعلت الذي فعلت بالنظر، ومعنى الوحي هو إلقاء النظر في قلبها) [5] .

10 -واستدلوا بقوله تعالى: (وأوحى ربك إلى النحل) [6] يعني ألهمها، حتى عرفت مصالحها، فلا ينكر مثل ذلك للآدمي بطريق الأولى [7] .

وردّ بأن تلك الآية أبعد من أن تثبت بها الدعوى، إذ لا يلزم من كون الحيوان ملهمًا، وكونه يعمل به، أن يكون الإنسان كذلك، لبعد المسافة بين عالم الإنسان وعالم الحيوان.

(1) ينظر: تفسير الرازي جـ 11: 177، الاجتهاد ص 489.

(2) ينظر: فصول البدائع جـ 2: 392، وينظر: ما قاله الشاطبي ص 18.

(3) سورة القصص: الآية (7) .

(4) قواطع الأدلة ق 290 ب، إرشاد الفحول جـ 2: 1017، تفسير القرطبي جـ 13: 166، أجوبة الإمام الزرقاني ص 67.

(5) قواطع الأدلة ق 291 ب.

(6) سورة النحل: الآية (68) .

(7) قواطع الأدلة ق 290 ب، وينظر: تفسير القرطبي جـ 10: 88.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت