الصفحة 12 من 31

فالإخلاص هو مدار الأمر كله بعد الفقه الكامل لمعنى الخطابة؛ إذ به يصل الكلام إلى القلوب، فيتمثله الناس واقعًا عمليًّا في حياتهم، وبغيره لا يتعدى الكلام الآذان، ولو ملك الخطيب ناصية البيان وقوة الحجة ونصاعة البرهان.

من هنا وجدنا الإخلاص متمثلا في رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يخطب في هذا الجمع الحاشد:"اسمعوا قولي، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا".

إن الذي يعيش الموقف مع هذا الجمهور يشعر أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع هذه الأمة بمثابة الأب مع أبنائه، يريد ألا يدعهم في آخر لقاءٍ بهم قبل أن يُلقي في آذانهم آخر ما لديه من نصح وحب وإرشاد.

وهذا من تمام حرص النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على قومه وإخلاصه لهم،"كان يُحس أن هذا الركب سينطلق في بيداء الحياة وحده؛ فهو يصرخ به كما يصرخ الوالد بابنه الذي انطلق به القطار، يوصيه بالرشد، ويذكره بما ينفعه أبدا" [1] .

أفلم تكن تغني ثلاث وعشرون سنة - هي عمر الدعوة في هذا الوقت - عن هذا البيان الأخير؟! ولكن النبي الرءوف الرحيم يريد أن يضع اللمسات الأخيرة، والمبادئ الكلية، وأهداف الرسالة وخلاصتها قبل أن يلحق بالرفيق الأعلى؛ لتظل هذه التوجيهات وتلك الصيحات حاضرة في أذهانهم، ترددها آذانهم بعد رسول الله أبد الآبدين.

والحق أن الإخلاص والحرص على هداية الناس منهج الأنبياء جميعًا، فكم تكرر في القرآن الكريم على لسان الأنبياء:"فاتقوا الله وأطيعون"،"إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم"،"وما أسألكم عليه أجرا"،"إن أريد إلا الإصلاح". وغير ذلك.

وفي هؤلاء الأنبياء جميعًا أسوة للدعاة إلى الله الذين يواجهون المجتمع، ويوجّهون الجماهير إلى الله تعالى.

(1) فقه السيرة للشيخ الغزالي: 505. دار الدعوة. طـ ثانية. بدون تاريخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت