الصفحة 5 من 31

أولا: فصل في بلاغة النبي صلى الله عليه وسلم:

قبل أن ندلف إلى نص خطبة الوداع الشريف أود أن أقف بالقارئ على طرف من الحديث عن بلاغة النبي، وسمت كلامه، وهدي عباراته، ليكون مدخلا لنا ننطلق منه إلى كلام النبي، وسوف أقتصر هنا فقط على كلام إمامين جليلين، وأديبين كبيرين، لا أظن ـ حسب اطلاعي ـ أن أحدا من الأدباء والبلاغيين تحدث عن بلاغة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما تحدثا، أو بين كما بينا.

إنهما: الأديب اللغوي الكبير أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، في كتابه"البيان والتبيين"، وأديب العربية والإسلام البارع مصطفى صادق الرافعي، في كتابه"إعجاز القرآن والبلاغة النبوية"، رحمهما الله تعالى.

*** يقول الجاحظ في وصف كلام النبي:"هو الكلام الذي قلَّ عددُ حروفه، وكَثُُرَ عددُ معانيه، وجَلَّ عن الصَّنعة، ونُزِّه عن التكلف، وكان كما قال الله ـ تبارك وتعالى ـ قل يا محمد (وما أنا من المتكلفين) ، فكيف وقد عاب التشديق، وجانَبَ أصحاب التقعير، واستعمل المبسوط في موضع البسط، والمقصور في موضع القصر، وهجر الغريب الوحشي، ورغب عن الهجين السوقي؛ فلم ينطق إلا عن ميراث حكمة، ولم يتكلم إلا بكلام قد حُفَّ بالعصمة، وشُيِّد بالتأييد، ويُسِّر بالتوفيق."

قال: وهذا الكلام الذي ألقى الله المحبة عليه، وغشاه بالقبول، وجمع له بين المهابة والحلاوة، بين حسن الإفهام وقلة عدد الكلام، ومع استغنائه عن إعادته، وقلة حاجة السامع إلى معاودته لم تسقط له كلمة، ولا زلت له قدم، ولا بارت له حجة، ولم يقم له خصم، ولا أفحمه خطيب، بل يبذُّ الخُطبَ الطوال بالكلام القصير، ولا يلتمس إسكاتَ الخصم إلا بما يعرفه الخصمُ، ولا يحتج إلا بالصدق، ولا يطلب الفلج إلا بالحق، ولا يستعين بالخلابة، ولا يستعمل المواربة، ولا يهمز ولا يلمز ولا يبطئ ولا يعجل ولا يسهب ولا يحصر، ثم لم يسمع الناسُ بكلام قطُّ أعمُّ نفعا، ولا أصدق لفظا، ولا أعدل وزنا، ولا أجمل مذهبا، ولا أكرم مطلبا، ولا أحسن موقعا، ولا أسهل مخرجا، ولا أفصح عن معناه، ولا أبين في فحواه من كلامه صلى الله عليه وسلم". [1] ا. هـ"

(1) البيان والتبيين: 221. تحقيق: فوزي عطوي. دار صعب. بيروت. الطبعة الأولى 1968 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت