الصفحة 13 من 31

وقد أطلق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في البداية عبارته الفاجعة:"لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدًا". وهنا تشرئب الأعناق، وتتطاول الرقاب، وتترقب الآذان ما يُلقَى من وعظ ومن إرشاد.

إن وسائل الجذب وبراعة الاستهلال أول الخطبة ليتهيأ الناس للكلام لا حصر لها، يملكها الخطيب اللبيب من خلال الواقع الذي يموج بأحداث يعيشها الناس، ومن خلال القضايا المثارة في المجتمع، والتي ينبغي أن يكون الخطيب على دراية كاملة بها.

ولم يكن هذا الدرس الهام في بداية خطبة النبي فقط، إنما تخلل مواضع كثيرة منها، فكم قال:"أيها الناس"، وقال:"اسمعوا قولي واعقلوه"، وقال:"فاعقلوا أيها الناس قولي"ثم يرمي بالتبعة على كاهلهم حتى يتنبهوا لخطورة الكلام حين قال:"فإني قد بلَّغت"، وفي النهاية:"اللهم اشهد".

والقرآن الكريم يعلمنا هذا الأسلوب في كثير من سوره: فمرة يبدأ السورة بذكر شيء، ثم يستفهم عنه، ثم يعظِّم من شأنه:"الحاقة * ما الحاقة * وما أدراك ما الحاقة"، وقوله:"القارعة * ما القارعة * وما أدراك ما القارعة"، ومرة يفاجئ الناس بوقائع مرهبة، وأحداث مرعبة:"إذا الشمس كورت * وإذا النجوم انكدرت * وإذا الجبال سيرت ..."، ومرة أخرى يثير تساؤلا، ثم يجيب عنه:"عم يتساءلون * عن النبأ العظيم"، ومرة يبدأ بقسم - والقسم يشير إلى أهمية ما بعده - مثل قوله:"ن. والقلم وما يسطرون". إلى آخر هذه الوسائل المثيرة للعقل والوجدان معًا.

والخطيب الحاذق هو الذي يتعلم من هذا الكلام المعجز؛ فيوظف أحداث عصره في ذلك، ثم يستهدي الشفاء والدواء من كلام الله ورسوله.

فينبغي ألا تثار قضايا الخلاف على المنبر في حضور هذا التجمع، أو في أي تجمع؛ لئلا يُحدث ذلك اضطرابًا واختلافًا وجدلا بين الناس، وما لأجل هذا جُعلت المنابر، إنما جعلت لتثبيت أركان التوحيد، وتقرير شعائر الإسلام، وتوضيح مبادئه الكلية ومقاصده العامة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت