الحقيقة أن الإسلام لم يرتب حرمة على شيء كما رتبها على دم الإنسان وعرضه وماله، ولا أدل على ذلك من أن علماء الإسلام جعلوا هذه الأمور من كليات مقاصد الشريعة الإسلامية، بل جعلوها أهم المقاصد حين أدرجوها في رتبة الضروريات، وهو ما عرف في تراثنا الأصولي باسم:"الكليات الخمسة"، أو الستة على خلافٍ.
فليس لأحد كائنا من كان أن يعتدي على إنسان ما دام لم يأت من الأفعال والأقوال ما يستوجب ذلك كما قرره قانون السماء.
وقد توعد القرآن الكريم من يعتدي على النفس البشرية بأشد الوعيد حين قال: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} (النساء: 93) .
قال الإمام ابن كثير: «وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن تعاطى هذا الذنب العظيم الذي هو مقرون بالشرك بالله في غير ما آية في كتاب الله، حيث يقول سبحانه في سورة الفرقان: {والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق} الآية، وقال تعالى: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئا} (الآية) [1] .
والأحاديث في تحريم القتل وانتهاك حرمة المسلم كثيرة جدا؛ فمن ذلك:
ما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء" [2] .
وفى حديث آخر يوضح النبي ـ عليه السلام ـ أن كل ذنب يرتكبه الإنسان يمكن التحلل منه، ولا يبعده ذلك الذنب عن حظيرة الإسلام إلا إذا تخضبت يده بدم حرام، عن عبادة بن
(1) تفسير القرآن العظيم: 1/ 536. دار الفكر. بيروت. 1401 هـ.
(2) صحيح البخاري: كتاب الديات. باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} ، وكِتَاب الرِّقَاق. ِ باب الْقِصَاصِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وصحيح مسلم: كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات. باب المجازاة بالدماء في الآخرة، وأنها أول ما يقضى فيه بين الناس يوم القيامة.