الصفحة 19 من 31

تختلف نظرة الإسلام إلى الإنسان عن نظرة الفلسفات البشرية والمناهج الوضعية والشرائع المحرفة؛ حيث يعتبره الإسلام المخلوق المستخلف في أرض الله، وأنه مزيج من الروح والجسد، وبحاجة ماسّة لتلبية متطلبات روحه ونفسه وجسمه وعقله وقلبه معًا، دون أن يطغى جانب منه على جانب، وقد كرم الله الإنسان وفضّله على كثير ممن خلق تفضيلًا، وسخّر له ما في السماوات وما في الأرض جميعًا منه، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة.

والعالم اليوم في مسيس الحاجة إلى معرفة تكريم الإسلام لهذا الإنسان، ومدى الحقوق التي منحها إياه، وكيف أنه حرّم دمه وماله وعرضه، وجعل ذلك أشد حرمة عند الله من حرمة الكعبة، لا سيما في زمن أُهدرت فيه هذه الحقوق، وداستْها السياساتُ المحلية والعالمية، وهوت بها عن مكانتها في مكان سحيق.

ومِن رفْع الإسلام لشأن هذه النفس أنه جعل قتل نفس واحدة والاعتداء عليها بمثابة قتل الناس جميعًا، كما جعل إنقاذها وإحياءها بمثابة إحياء الناس جميعًا، وحدَّ لقاتلها حدًا جعل منه للناس حياة أيَّ حياة، فقال جل من قائل: {وَلَكُمْ في الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة: 179) .

وقد تحدث الإسلام عن حقوق الإنسان، ووضَع أسسها، وأرسى دعائمها منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا، ومن المؤسف حقًا في هذا الصدد أننا - في أكثر الأحيان - لا نتحدث عن أمر من أمور الإسلام إلا من جهة الدفاع ورد الشبهات عنه، كأنما الإسلام في قفص الاتهام، ونحن ندافع عنه، ونثبت براءته.

في حين أننا لا نعرض ديننا ومبادئه السمحة ومقاصده الباهرة بطريق المبادأة والمبادرة التي نملك من إمكاناتها الكثير، والتي يتمتع الإسلام منها بأوفر نصيب، دون أن يكون حديثنا رد فعل، أو دفاعًا عن الإسلام"المتَّهم".

وإذا تأملنا خطبة الوداع التي بين أيدينا، ودققنا فيها النظر، وجدنا كل ما يتشدق به الشرق والغرب من نظريات وأفكار موجودًا في هذه الكلمات المعدودة، بل إننا نجد ما هو أكثر منه وأهم، ومن ذلك:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت