الحمد لله رب العالمين، أحمده حق حمده، وأشكره حق شكره، وأشهد ألا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وحبيبه وخليله، خير من تحدث، وأبلغ من تكلم، وأحرص الناس على الناس، أرسله الله على فترة من الرسل، وانقطاع من الزمن، وقربٍ من الساعة ودُنوٍّ من الأجل؛ فبلغ الرسالة أفضل ما يكون الأداء، وأدى الأمانة أحسن ما يكون الأداء، ونصح الأمة خيرَ ما يكون النصح، فاللهم صلِّ وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، الذين آمنوا به وعزروه ونصروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه، أولئك هم المفلحون، وبعد.
فإن قراءة كلام النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والتأمل والتدبر فيه، واستخراج ما ينفع الناس منه لمِمَّا يُتعبَّدُ به إلى الله عز وجل، وإذا كان هناك كلام يستحق التأمل والتدبر بعد القرآن الكريم فإنما هو كلام النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي لم يأخذ حقه حتى الآن من التأمل والتدبر والتفكر.
وإذا كانت هناك نصوص تدعو للتأمل في القرآن:"أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا". النساء: 82. و"أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا". محمد: 24. فإن السنة أخت القرآن، وهي وحي مكمِّلٌ للوحي ومفسرة له، وإن من مقتضيات حفظ المفسَّر، أن يُحفَظ المفسِّر؛ عن المقدام بن معد يكرب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أنه قال:"ألا إنِّي أوتيت الكتاب ومثله معه ..." [1] .
وإذا كنا نجد دعوات واهتمامات وحضا وتحريضا على قراءة القرآن والتدبر فيه والاهتمام به، فإننا حتى الآن لم نجد دعوات ولا نداءات تدعو إلى قراءة كلام النبي، وتنادي بالاهتمام بقراءته والتأمل في نحوه وهديه.
وقد تخيرت في هذا الكتيب حديثا من جوامع الكلم، لأضرب به مثالا لكيفية التأمل والتدبر في الكلام النبوي من جانب أو جانبين فقط؛ حيث جمع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيه معالم الإسلام، في كلمات مختصرة ومركزة، وألقاه على جمع بلغ مائة وعشرين ألفا ـ كما ورد في الروايات ـ ألا وهو حديث خطبة حجة الوداع التي أودع فيها النبي ـ صلى الله عليه
(1) جزء من حديث في سُنَن أبي دَاوُد: أول كتاب السنة. باب في لزوم السُّنة، و مسند أحمد: ج 4/ص 130 (17213) .