الصفحة 16 من 31

وهذه لا يتقنها أشباه الخطباء، إنما يقدر عليها أولو العزم منهم، الذين استظهروا كتاب الله قراءة وحفظًا وتفسيرًا وتدبرًا، وطالعوا مدونات السنة الشريفة، وقبل ذلك حازوا ثقافة اللغة والأدب.

إن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ضمَّن خطبته معاني وآيات قرآنية كثيرة، وكيف لا وهو أفصح من نطق بالضاد، من ذلك:"لكم رءوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون" (البقرة: 279) ، و"إنما النسيء زيادة في الكفر ..." (التوبة: 37) . و"ألا يأتين بفاحشة مبينة" (النساء: 19) . وتهجروهن في المضاجع وتضربوهن [1] ، وغير ذلك.

وكيف يكون داعيةً إلى الله مَن لا يفقه كلام الله قراءة وحفظًا، فضلًا عن إدراك أسراره ومقاصده؟ فالقرآن لم يدع أمرًا من شئون الدنيا والآخرة إلا تحدث فيه، والخطبة التي تخلو من كلام الله ورسوله ينقصها الكثير.

إن"الخطيب الذي يصلح للتحدث عن الإسلام رجلٌ خبيرٌ بالحياة وعللها، مكين في الوحي الأعلى" [2] .

يقول الداعية الكبير الشيخ محمد الغزالي - يرحمه الله:"لا تسمى خطابة إسلامية هذه الكلمات الميتة التي يسمعها الناس في بعض المساجد ثم يخرجون وهم لا يدرون ماذا قال خطيبهم؛ لأنه لم يَصل أحدًا منهم بروح القرآن، ولا أنعش قلبًا بمعانيه، ولا علَّق بصرًا بأغراضه" [3] .

وبجانب الاقتباس من القرآن يليق للخطيب أيضًا أن يسير مع القرآن؛ فهناك قضايا ركز عليها القرآن، وأطال الحديث عنها في غير موضع، وهناك قضايا ذكرها في موضع أو موضعين، وبين هذه وتلك تفاوتٌ ونسبيّةٌ في عرض القرآن للقضايا، والخطيب الناجح هو الذي يسير مع القرآن حيث سار، فيولي ما اهتم به القرآن اهتمامه الأكبر؛ لأن القرآن لا يركز على أمر إلا إذا كان له أثره الكبير في معاش الناس ومعادهم.

(1) إشارة إلى الآية 34 من سورة النساء.

(2) مع الله دراسات في الدعوة والدعاة: للشيخ الغزالي: 273. دار الكتب الإسلامية. طـ سادسة 1405 هـ.

(3) السابق: 272

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت