الصفحة 17 من 31

وهذا أمرٌ حسمه القرآن مع الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذ قال له:"ليس لك من الأمر شيء" (آل عمران: 129) ، و"ليس عليكم هداهم" (البقرة: 272) ، و"إنك لا تهدي من أحببت" (القصص: 56) ، و"إن أنت إلا نذير" (فاطر: 23) ، و"فإنما عليك البلاغ" (آل عمران: 20) ... إلى آخر هذه الآيات التي تحسم الأمر بوضوح لا لبس معه، ولا شبهة فيه.

وفي خطبة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يلقي التبعة عليهم - بعد أن بلغ ما عليه - بأنهم سيلقون ربهم، ويسألهم عن أعمالهم، وكم تكرر في خطبته الجامعة:"اللهم هل بلغت؟"، فتردد الجماهير:"اللهم اشهد".

وهذا بالطبع لا يتنافى مع شعور الداعية بالأسف والحزن على ما به قومه من ضلالة، وأنهم على غير الصراط المستقيم، فقد كان ـ صلوات الله عليه ـ أوضح مثَل لذلك، حتى أنزل الله عليه يواسيه ويخفف عنه:"فلعلك باخعٌ نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفًا" (الكهف: 6) وقوله:"لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين" (الشعراء: 3) .

والداعية يسير بهذا الحرص على قومه، ويرجو الله أن يهديهم، لكنه لا يقنط ولا ييأس إن استجابت له قلة، أو لم يستجب له أحد؛ فلقد مكث نوحٌ ـ عليه السلام ـ في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، وما آمن معه إلا قليل.

المهم أنه أدى ما عليه من أمانة، وبلَّغ ما أناط الله بعنقه من رسالة، وأشهد الله وأشهدهم على ذلك، كما فعل مؤمن آل فرعون، وقد سلك مع قومه كل سبيل، ثم قال في النهاية:"فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله" (غافر: 44) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت