*** أما الأديب الذي لا يشق له غبار الأستاذ مصطفى صادق الرافعي فيعبر عن طبيعة بلاغته وفصاحته فيقول:"كان أفصح العرب، على أنه لا يتكلف القول، ولا يقصد إلى تزيينه، ولا ينبغي إليه وسيلة من وسائل الصنعة، ولا يجاوز به مقدار الإبلاغ في المعنى الذي يريده، ثم لا يعرض له في ذلك سقط ولا استكراه، ولا تستزله الفجاءة، وما يبده من أغراض الكلام عن الأسلوب الرائع، وعن النمط الغريب والطريقة المحكمة؛ بحيث لا يجد النظرُ إلى كلامه طريقًا يتصفح منه صاعدًا أو منحدرًا، ثم أنت لا تعرف له إلا المعاني التي هي إلهام النبوة، ونتاج الحكمة، وغاية العقل، وما إلى ذلك مما يخرج به الكلام، وليس فوقه مقدار إنساني من البلاغة والتسديد وبراعة القصد والمجيء في كل ذلك من وراء الغاية" [1] .
قال:"كأنما تكاشفه أوضاع اللغة بأسرارها، وتبادره بحقائقها، فيخاطب كل قوم بلغتهم وعلى مذهبهم، ثم لا يكون إلا هو أفصحهم خطابا، وأسدهم لفظا، ولم يعرف ذلك لغيره من العرب" [2] .
وعن موقف فصحاء العرب منه يقول:"ولو كان فيهم ـ أي العرب ـ أفصح لعارضوه به، ولأقاموا في وزنه، ثم لجعلوا من ذلك سببًا لنقض دعوته والإنكار عليه، غير أنهم عرفوا منه الفصاحة على أتم وجوهها وأشرف مذاهبها، ورأوا له في أسبابها ما ليس لهم ولا يتعلقون به ولا يطيقونه، وأدنى ذلك أن يكون قوي العارضة، مستجيب الفطرة، ملهم الضمير متصرف اللسان، يضعه من الكلام حيث شاء، لا يستكره في بيانه معنى، ولا يند في لسانه لفظ، ولا تغيب عنه لغة، ولا تضرب له عبارة، ولا ينقطع له نظم، ولا يشوبه تكلف، ولا يشق عليه منزع، ولا يعتريه ما يعتري البلغاء في وجوه الخطاب وفنون الأقاويل من التخاذل وتراجع الطبع، وتفاوت ما بين العبارة والعبارة، والتكثر لمعنى بما ليس منه، والتحيف لمعنى آخر بالنقص فيه، والعلو في موضع، والنزول في موضع، إلى أمثال أخرى لا نرى العرب قد أقروا له بالفصاحة إلا وقد نُزِّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن جميعها، وسلم كلامُه منها، وخرج سبكُه خالصًا لا شوب فيه، وكأنما وضع يده على قلب اللغة ينبض تحت أصابعه" [3] .
وعن دعائم البلاغة النبوية يقول الرافعي ـ لله درُّه ـ: إن البلاغة النبوية تقوم على ثلاث دعائم:"الخلوص والقصد والاستيفاء".
(1) إعجاز القرآن والبلاغة النبوية: 194. دار الكتاب العربي. بيروت. 1425 هـ 2005 م.
(2) إعجاز القرآن والبلاغة النبوية: 195.
(3) إعجاز القرآن والبلاغة النبوية: 197.