الصفحة 7 من 31

قال: الأول"الخلوص: لم يكن في العرب ـ ولن يكون فيمن بعدهم أبد الهر ـ من ينفذ في اللغة وأسرارها وضعًا تركيبًا، ويستبعد اللفظ الحر، ويحيط بالعتيق من الكلام، ويبلغ من ذلك إلى الصميم على ما كان من شأنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا نعرف في الناس من يتهيأ له الأسلوب العصبي الجامع المجتمع على توثق السرد وكمال الملائمة، كما تراه في الكلام النبوي."

وأما القصد والإيجاز والاقتصار على ما هو من طبيعة المعنى في ألفاظه ومن طبيعة الألفاظ في معانيها، ومن طبيعة النفس في حظها من الكلام وجهتيه (اللفظية والمعنوية) ـ فذلك مما امتازت به البلاغة النبوية حتى كأن الكلام لا يعدو فيها حركةَ النفس، وكأنَّ الجملة تخلق في منطقه ـ صلى لله عليه وسلم ـ خلقًا سويًا أو هي تُنتَزَع من نفسه انتزاعًا.

الثالث: وهو الاستيفاء الذي يخرج به الكلام ـ على حذف فضوله وإحكامه ووجازته ـ مبسوطَ المعنى بأجزائه ليس فيها خداج [1] ولا إحالة ولا اضطراب حتى كأن تلك الألفاظ القليلة إنما رُكِّبت تركيبًا على وجه تقتضيه طبيعة المعنى في نفسه، وطبيعته في نفسه، وطبيعته في النفس، فمتى وعاها السمع واستوعبها القارئ، تمثل المعنى وأتمه في نفسه" [2] .ا. هـ."

هكذا تحدث هذان الإمامان عن بلاغة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعن طبيعة حديثه ومعالم الإعجاز فيه، ودعائم البلاغة أيضا، وأرجو أن نستحضر هذا الكلام حين نقرأ نص الخطبة الشريفة، وحين نتحدث في ظلالها.

(1) أي نقصان، وأصله أن تخدج الناقة أو نحوها من ذوات الظلف والحافر فتلقى ولدها لغير تمام الحمل فيجيء ناقص الخلقة.

(2) إعجاز القرآن والبلاغة النبوية: 229 - 230.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت