لم يكن التأويل وقفا على عصر دون عصر، فقد وجد منذ عصر الصحابة - رضوان الله عليهم -، وكان ذائعا شائعا بينهم قال الآمدي (631 هـ) : (وإذا عرفت معنى التأويل، فهو مقبول معمول به إذا تحقق بشروطه، ولم يزل علماء الأمصار في كل عصر من عهد الصحابة إلى زمننا، عاملين به من غير نكير.) 72 ويدلنا على ذلك اجتهادات ابن عباس، وابن مسعود، وغيرهما من أعلام الصحابة 73 بالإضافة إلى الآثار المروية عن كبار الصحابة التي تحذر من شطط التأويل. من ذلك: ما رواه عمرو بن دينار قال: قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه: (إني أخاف عليكم رجلين:رجل يتأول القرآن على غير تأويله، ورجل ينافس أخاه على الملك) 74. وعن عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، أ، عمر بن الخطاب، قال: (ما أخاف على هذه الأمة من مؤمن ينهاه إيمانه، ولا من فاسق بين فسقه، ولكني أخاف عليها رجلا قد قرأ القرآن حتى أذلقه بلسانه، ثم تأوله على غير تأويله) 75. كما كان أهل الرأي والعلم بالمرصاد للمؤولين الذين لا يريدون وجه الحق في تأويلاتهم، وغير المستندة إلى إدلة الشرع، أو مخالفة لحكمة التشريع، أو الناتجة عن خطأ في الفهم، كفعل أبي بكر - رضي الله عنه - بالمرتدين، الذين أولوا آية الزكاة على غير وجهها 76، وكما فعل عمربن الخطاب - رضي الله عنه - بقدامة بن مظعون 77، وصبيغ بن عسل التميمي 78، وأمثالهم. ولم يقف التأويل عند عصر الصحابة، بل تعداهم إلى عصر التابعين، 79 فهو منهج من مناهج الاجتهاد بالرأي، أو كما يقول الامام أبو زهرة: (باب من أبواب الاستنباط العقلي) 80 نتيجة لكل ما سبق يمكننا أن نقول: لقد عرف الصجابة والتابعون، معنيين للتأويل
الأول: المآل والعاقبة، وهو ما نجده مكررا في آيات القرآن الكريم.