الصفحة 25 من 55

وليس أدل على ذلك من قول قتادة (ت 117 هـ) - عند قراءته لقوله تعالى: (فأما الذين في قلوبهم زيغ .. الآية) 81: (إن لم يكونوا الحرورية - أي الخوارج -، والسبئيين، فلا أدري من هم. .... إلى أن يقول: والله إن اليهودية لبدعة، وإن النصرانية لبدعة، وإن الحرورية لبدعة، وإن السبئية لبدعة، ما نزل بهن كتاب، ولا سنهن نبي) 82 وقال الطبري (ت 310 هـ) عند تفسيره لقوله تعالى: (فأما الذين في قلوبهم زيغ .. الآية) 83: (هذه الآية وإن كانت نزلت فيمن ذكرنا أنها نزلت فيه من أهل الشرك، فإنه معني بها كل مبتدع في دين الله، كان من أهل النصرانية، أو اليهودية، أو المجوسية، أو كان سبئيا .. ) 84 لقد وجد السبئيون الباطنيون - ومن نسج على منوالهم من العلمانيين المعاصرين - في التأويل متنفسا لتعاليمهم، يتجاوزون بها الحدود الظاهرة لمعاني الكلم، أو كما يقول البغدادي: (إن الباطنية احتالت لتأويل أحكام الشريعة على وجوه تؤدي إلى رفع الشريعة.) 85 فقام العلماء من مفسرين، ومحدثين، وفقهاء، وأصوليين، وغيرهم، بالتصدي لهم، وبينوا معنى التأويل، وأدلته، ومجالاته، وقاموا بوضع الضوابط والأصول، للتأويل الصحيح، لمنع المبتدعين من تحريف نصوص الآيات والخروج بها عن معانيها المرادة، وعن قواعد اللغة، ونصوص الشريعة. وهنا يجب أن نفرق بين تأويل مشروع يستخدمه المفسرون وغيرهم، بمعنى يقرب قليلا أو كثيرا من معنى التفسير، للكشف عن المعنى وفهمه، حين يصرف المتأول اللفظ عن ظاهره، أو معناه الراجح إلى معنى آخر مرجوح بدليل صحيح، وبين تأويل مستكره، يحكمه الهوى، والهوس، والاعتقاد الفاسد، ويتعسف في فهم اللفظ، ويفسره على معنى بعينه، يطابق معتقده، وذلك كمن يصرف اللفظ القرآني عن ظاهره، أو معناه القريب الراجح إلى معنى بعيد مرجوح، اعتمادا على ما يظنه دليلا وهو ليس كذلك،كما فعل الباطنيون وغيرهم في القديم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت