مولاه، فأعطى صاحبه به ثلاثمائة درهم، فأبى صاحبه أن يبيعه، فماتحه [1] ، فأبى صاحبه أن يبيعه، فقال: هل لك أن تنطلق إلى صاحب لنا ناحية السوق؟
قال: لا أبالي، فانطلقا إليه، فقال له مولاه: إني أعطيت هذا بفرسه ثلاثمائة درهم، فأبى، وذكر أنه خير من ذلك، قال صاحب الفرس: صدق، أصلحك الله، فترى ذلك ثمنًا؟ قال: لا، فرسك خير من ذلك تبيعه بخمسمائة حتى بلغ سبعمائة درهم أو ثمانمائة، فلما أن ذهب الرجل أقبل على مولاه فقال له: ويحك انطلقت لتبتاع لي دابة، فأعجبتني دابة رجل، فأرسلتك تشتريها، فجئت برجل من المسلمين تقوده، وهو يقول: ما ترى ما ترى؟ وقد بايعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على النصح لكل مسلم [2] .
فقه نصيحة جرير بن عبد الله
إذا أجلنا النظر في هذه القصة، وجدنا فيها دلالات عظيمة نذكرها كما يلي:
1 -لم يقبل جرير، رضي الله عنه، غبن الرجل بشراء فرسه بأقل مما يستحق، وإن كان في ذلك زيادة ثمن يدفعها هو، وهذا جانب من جوانب النصح لعامة المسلمين بعدم الغبن والغش لهم في البيع والشراء.
2 -مع زيادة حرصه على غيره أنه أنب مولاه على فعله، ولم يغض طرفه عن الموضوع، ولم يترك القضية لمولاه ليظهر هو بمظهر البريء أمام الناس.
3 -يقول ابن حزم: (( والخديعة في البيع جملة بلا شك يدري الناس كلهم أن من أخذ من آخر فيما يبيع منه أكثر مما يساوي بغير علم المشتري ولا رضاه، ومن أعطاه آخر فيما يشتري منه أقل مما يساوي بغير علم البائع ولا رضاه، ومن أعطاه آخر فيما يشتري منه اقل مما يساوي بغير علم البائع ولا رضاه، فقد غشه، ولم ينصحه، ومن غش ولم ينصح فقد أتى حرامًا ) ) [3] .
(1) ماتحه: هو من المماسكة: وهي المكالمة في النقص من الثمن. انظر تهذيب الأسمار: (3/ 141) .
(2) المعجم الكبير برقم: (2395) ، والمحلي: (8/ 440 - 441) .
(3) المحلي: (8/ 44) .