الصفحة 30 من 46

كان مالك عالم أهل الحجاز، وكان الليث بن سعد عالم أهل مصر، وقد كان في درجة مالك في العلم، حتى قال فيه الشافعي: (( الليث أفقه من مالك غير أن أصحابه لم يقوموا به ) ) [1] .

ولقد تبادل الإمام مالك النصح مع الليث، فكتب مالك إلى الليث رسالة ينصحه فيها، ورد عليه الليث برسالة كذلك، ولذا فمن الأمانة العلمية أن نثبت نص رسالة مالك أولًا على طولها، ثم رسالة الليث كذلك، ثم نعقب بعد ذلك بذكر دلالات هاتين النصيحتين المكتوبتين.

بسم الله الرحمن الرحيم

من مالك بن أنس إلى الليث بن سعد، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، عصمنا الله وإياك بطاعته في السر والعلانية، وعافانا وإياك من كل مكروه.

كتبت إليك وأنا ومن قبلي من الولدان والأهل على ما تحب، والله محمود، أتانا كتابك، تذكر من حالك، ونعمة الله عليك الذي أنا به مسرور، أسأل الله أن يتم علي وعليك صالح ما أنعم علينا وعليك، وأن يجعلنا له شاكرين.

وفهمت ما ذكرت في كتب بعثت بها لأعرضها لك، وأبعث بها إليك، وقد فعلت ذلك وغيرت منها ما غيرت حتى صح أمرها على ما يجب، وختمت على كل قنداق [2] ، (أو قال يحي: غنداق) منهال بخاتمي ونقشته حسبي الله ونعم الوكيل، وكان حبيبًا إلي حفظك، وقضاء حاجتك، وأنمت لذلك أهل وجيرة، وصرت لك نفسي في ساعة لم أكن أعرض فيها لأن أنجح ذلك، فتأتيك مع الذي جاء في بها، حتى دفعتها إليه، وبلغت من ذلك الذي رأيت أنه يلزمني لك في حقك وحرمتك، وقد نشطني ما استطلعت مما قبلي من ذلك في ابتدائك بالنصيحة لك، ورجوت أن يكون لها عندك موضع، ولم يكن منعني من ذلك قبل اليوم إلا أن يكون رأيي لم يزل فيك جميلًا، إلا أنك لم تذاكرني شيئًا من هذا الأمر، ولا تكتب فيه لي.

واعلم، رحمك الله، أنه بلغني أنك تفتي بأشياء مخالفة لما عليه جماعة الناس عندنا، وببلدنا الذي نحن فيه، وأنت في إمامتك وفضلك ومنزلتك من أهل بلدك وحاجة من قبلك إليك، واعتمادهم على ما جاء منك حقيق بأن تخاف على نفسك، وتتبع ما ترجو النجاة باتباعه، فإن الله - عز وجل - يقول

(1) تهذيب التهذيب: (8/ 415) .

(2) القنداق: صحيفة الحساب. انظر تاج العروس: (7/ 51) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت