الصفحة 13 من 46

حقًا إنه لابد للناصح من تخير الوقت المناسب لقبول النصيحة عند إسدائها، طالما أن الناصح رجل يتعامل مع القلوب والأحاسيس والمشاعر، فرب وقت لا يكون فيه المرء مهيئًا لقبول النصح تعرض له أحمق بدعوى النصح، فأغلق قلبه وعقله أمام نصحه وإرشاده وكان الناصح الجاهل هو السبب في ذلك.

هذه في تصوري الآداب التي يجب أن يتحلى بها الناصح في نصحه حتى يكون النصح في ثوبه المطلوب، وحتى تقع النصيحة من المنصوح موقع قبول لا رد، مما يجعلها مثمرة تجبر النقص، وتسد الخلل، ولا توغر الصدور وتفرق الجماعات، ولا تكون عونًا للشيطان على المنصوحين. والله أعلم.

قد يلبس بعض الناس الذم والتعيير لغيرهم لبوس النصيحة، فيخدع بذلك من لا يعرفه، وربما أفضى به ذلك إلى الوقوع في أعراض الناس ونهشها، ولذا فقد عقدت هذا المبحث للتفريق بين النصح والتعيير مقتبسًا ذلك من كتب ثقات علمائنا رحمهم الله، ولقد تبدي لنا أن الفرق بين النصح والتعيير يكون كما يلي:

1 -النصيحة تكون في السر، والتعيير يكون في العلن: وفي هذا يقول ابن رجب: (( فهذا الذي ذكره الفضيل،(مقولتنا التي نقلناها في موضع النصح في السر) من علامات النصح، فالنصح يقترن به الستر، والتعيير يقترن به الإعلان )) [1] .

2 -يقوم بالنصح المؤمن، ويقوم بالتعيير الفاجر: ونعيد هنا مقولة الفضيل بن عياض رحمه الله: (( المؤمن يستر وينصح، والفاجر يهتك ويعير ) ) [2] .

وحول تحديد غرض كل من الناصح والفاضح، يحدثنا الحافظ ابن رجب فيقول: (( فلهذا كان إشاعة الفاحشة مقترنة بالتعيير، وهما من خصال الفجار، لأن الفاجر لا غرض له في زوال المفاسد، ولا في اجتناب المؤمن للنقائص والمعايب، إنما غرضه في مجرد إشاعة العيب في أخيه المؤمن، وهتك عرضه، فهو يعيد ذلك ويبيده، ومقصوده تنقصة أخيه المؤمن في إظهار عيوبه ومساويه للناس،

(1) الفرق بين النصيحة والتعيير: (ص 36) .

(2) المصدر نفسه: (ص 36) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت