الصفحة 28 من 46

تكلمنا سابقًا عن النصيحة ومجالاتها، ولقد كان من تكلم المجالات الحكام، ولقد حرص علماؤنا على نصح الحكام بما يسدد مسيرة الدولة، ويبرئ ذمة العلماء، وهذا كان منهجًا لعلمائنا رحمهم الله تعالى، وقد كان من أولئك الناصحين إمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس رحمه الله، فقد كتب إلى الخليفة هارون الرشيد رسالة ينصحه فيها، ويقول:

أما بعد، فإني كتبت إليك بكتاب لم آلك فيه رشدًا، ولم أدخر فيه نصحًا، تحميدًا لله وأدبًا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فتدبره بعقلك، وردد فيه بصرك، وأرعه سمعك، ثم أعقله قلبك، وأحضر فهمك، ولا تغيبن عنه ذهنك، فإن فيه الفضل في الدنيا وحسن ثواب الله في الآخرة.

اذكر نفسك في غمرات الموت وكربه ما هو نازل بك منه، وما أنت ىموقوف عليه بعد الموت من العرض على الله سبحانه، ثم الحساب، ثم الخلود بعد الحساب.

وأعد لله - عز وجل - ما يسهل عليك أهوال تلك المشاهد، وكربها فإنك لو رأيت سخط الله تعالى، وما صار إليه الناس من ألوان العذاب، وشدة نقمته عليهم، وسمعت زفيرهم في النار، وشهيقهم مع كلوح [1] وجوههم، وطول غمهم، وتقلبهم في دركاتها [2] على وجوههم، لا يسمعون، ولا يبصرون، ويدعون بالويل، والثبور، وأعظم من حسرة إعراض الله عنهم، وانقطاع رجائهم، وإجابته إياهم بعد طول الغم بقوله: {اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ} (المؤمنون: من الآية 108) .

ثم قال له: لا تأمن على شيء من أمرك من لا يخاف الله، فإنه بلني عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: (( شاور في أمرك الذين يخافون الله ) ).

احذر بطانة السوء وأهل الردى على نفسك، فإنه بلغني عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنه قال: (ما من نبي ولا خليفة إلا وله بطانتان، بطانة تأمره بالمعروف، وتنهاه عن المنكر، وبطانة لا تألوه خبالًا) [3] .

ثم قال: لا تجر ثيابك، فإن الله لا يحب ذلك، فقد بلغني عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (من جر ثيابه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة) [4] .

(1) الكلوح: تكشر في عبوس. انظر مختار الصحاح: (ص 576) .

(2) دركاتها: أي منازل أهلها. انظر مختار الصحاح: (ص 203) . الدركات عكس الدرجات، فالدركات هو التدرج إلى الأسفل، والدرجات هو التدرج إلى الأعلى لذا فالجنة درجات والنار دركات. [المجلة] .

(3) رواه البخاري: برقم: (7198) ، والترمذي برقم: 2369. والخبال: الفساد، انظر مختار الصحاح: (ص 168) .

(4) رواه البخاري برقم: (5784) ، وأبو داود برقم: 40845).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت