فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 81

فهذا يعدُّ من فقه عمر رضي الله عنه فقد أشفق على المسلمين من أن يفتتنوا بالدنيا , فتكون سببا في تباعد قلوبهم وإثارة النزاع بينهم , ولقد بلغ به التأثر من ذلك إلى حد البكاء , وقد اختلفت نظرة الصحابيين الجليلين رضي الله عنهما إلى ذلك المال , فنظر إليه عمر على أنه سبب من أسباب الفتنة , ونظر إليه عبد الرحمن بن عوف على أنه نعمة من الله تعالى , وكلا النظرتين تَصْدُقان على ذلك المال , وكل واحد من هذين الصحابيين يدرك النظرتين كلتيهما , لكن في تلك اللحظة غَلَب على فكر عمر الإشفاق على الأمة من الخطر الذي هي مُقْدمة عليه فبكى , وغلب على عبد الرحمن بن عوف ملاحظة شكر النعمة فأظهر الفرح .

ومن ذلك ما أخرجه الإمام أحمد رحمه الله تعالى من حديث يحيى بن جَعْدة قال: قال عمر رضي الله عنه: لولا ثلاث لأحببت أن أكون قد لقيت الله عز وجل: لولا أن أضع جبهتي لله عز وجل , وأجلسَ في مجالس يُنتقَى فيها طيب الكلام كما يُنتقى فيها طيب التمر , وأن أسير في سبيل الله عز وجل (1) .

ففي هذا الخبر حدد أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أنواعا من الأعمال الصالحة يحب البقاء في الحياة من أجلها , فالمؤمن الحق يحب لقاء الله تعالى , لأن هذه الحياة الدنيا ليست دار قراره وإنما دار قراره الحياة الآخرة , فهو يشتاق إلى نعيمها المقيم , ولايحب البقاء في الدنيا إلا للعمل الصالح الذي يرفع من درجاته في حياته الباقية , وقد أشار عمر إلى ثلاثة من أجلِّ الأعمال الصالحة, وهي الصلاة , ومجالس العلم والذكر , والجهاد في سبيل الله تعالى , وقد كان رضي الله عنه من المكثرين من صلاة النفل , وممن تَعمر بهم مجالس العلم والذكر , أما الجهاد فكان هو القائد الأعلى للجيوش الإسلامية في بلاد العالم , وكان الجهاد شُغْلَه الشاغل الذي أهمه وغلب على تفكيره, أما في داخل المجتمع الإسلامي فكان إمام المصلحين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر.

(1) الزهد /117 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت