وهكذا تكون الأهداف السامية , فكيف بمن يرغبون في البقاء في الحياة الدنيا من أجل أموال يُثَمِّرونها , أو قصور يعمرونها , أو شهوات يغذُّونها ؟! أولئك هم الخاسرون الذين قَصُرت أنظارهم, وتدنَّت أهدافهم , ففضلوا الأدنى على الأعلى والفاني على الباقي.
ومن ذلك ما أخرجه الإمام أحمد من حديث إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قدم على عمر رضي الله عنه مسك وعنبر من البحرين فقال عمر: والله لوددت أني وجدت امرأة حسنة الوزن تَزِنُ لي هذا الطيب حتى أقسمه بين المسلمين , فقالت له امرأته عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل: أنا جيدة الوزن فهلمَّ أزِنْ لك , قال: لا , قالت: لِمَ ؟ قال: - إني أخشى أن تأخذيه فتجعليه هكذا وأدخل أصابعه في صدغيه - وتمسحي به عنقك, فأصيب فضلا على المسلمين (1) .
فهذا مثل من ورع أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه واحتياطه البالغ لأمر دينه , فقد أبى على امرأته أن تتولى قسمة ذلك الطيب حتى لاتمسح عنقها منه فيكون قد أصاب شيئًا من مال المسلمين, وهذه الدِّقة المتناهية في ملاحظة الاحتمالات التي قد توقع في المحرمات أو الشبهات نورٌ يهبه الله تعالى لأوليائه السابقين إلى الخيرات , وفرقان يفرقون به بين الحلال والحلام والحق والباطل, بينما تفوت هذه الملاحظات على الذين لم يشغلوا تفكيرهم بحماية أنفسهم من المخالفات.
(1) الزهد /119 .