ومن ذلك ما أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي عثمان النهدي قال: لما قدم عتبة (1) أذربيجان أُتِيَ بالخبيص فأمر بسفطين عظيمين (2) فصُنِعا له من الخبيص , ثم حمل على بعير فسرِّح بهما إلى عمر رضي الله عنه , فلما قدم على عمر ذاقه فوجده شيئًا حلوا , فقال: كل المسلمين يشبع من هذا في رحله ؟ قال: لا , قال: فلا حاجة لنا فيه فأطَبقهما وردهما عليه , ثم كتب إليه: أما بعد فليس من كدِّ أبيك ولا من كد أمك فأشبع المسلمين مما تشبع منه في رحلك (3) .
فهذه نظرة جليلة من أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه في التأكيد على مبدإ المساواة بين المسلمين, فالمطلوب في حياة المسلمين هو الزهد والتخشن في المعيشة الذي أوصى به عمر عتبة بن فرقد, ولكن لو فُرِض أن الخير عمَّ المسلمين فأصبحوا كلُّهم يحصلون على الأطعمة الشهية فإن تناولها في بعض الأحيان لاينافي حياة الزهد , ولكن حينما تكون هذه الأطعمة مقصورة على الخاصة فإن ذلك لايجيز للوالي أن يصرف مال المسلمين لإطعام الخاصة منها, ولذلك قال عمر لعتبة حينما كتب إليه"فليس من كدِّ أبيك ولا من كد أمك".
وكذلك ماأخرجه الإمام أحمد من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: أقبلْتُ فإذا الناس بين أيديهم القِصَاع , فدعاني عمر فأتيته , فدعا بخبز غليظ وزيت , قال: قلت له: أمَنَعْتني أن آكل من الخبز واللحم ودعوتني على هذا ؟ قال: أنا دعوتك على طعامي فأما هذا فطعام المسلمين (4) .
فهذا مثل من زهد أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه , فإنه لم يُسَوِّ نفسه بعامة المسلمين في الطعام فضلا عن أن يزيد عليهم , وقد كان مقبولا منه أن يأكل من طعام عامة المسلمين, ولكنه لتقشفه وزهده يختار لنفسه طعامًا أقل ثمنًا من ذلك .
(1) هو عتبة بن فرقد .
(2) السَّفَط وعاء كالقفَّه والخبيص نوع من الحلوى .
(3) الزهد /121 . وأخرج نحوه الإمام مسلم - صحيح مسلم , رقم 2069 /12 كتاب اللباس .
(4) الزهد /121 .