فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 81

فهذا مثال على شدة ورع النبي - صلى الله عليه وسلم - وعِظَم خشيته من الله تعالى , فقد أرق ليلة كاملة من أكل تلك التمرة على قلتها خشية أن تكون من الصدقة , وقد حرَّم الله تعالى الصدقة على بني هاشم, وبهذا الورع الشديد والخشية البالغة كان - صلى الله عليه وسلم - قدوة عليا لأمته في ذلك.

وأخرج الإمام أحمد بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:"ومات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وماترك دينارًا ولادرهما ولاعبدا ولا وليدة ,وترك درعه رهنًا عند يهودي بثلاثين صاعا من طعام" (1) .

وهذا مثل أعلى في الزهد في الدنيا والتقلل من متاعها , فلقد كان بإمكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكون أغنى رجل في العرب وربما في العالم , فلقد أفاء الله تعالى عليه في الغزوات أموالا عظيمة, ويكفي مثالا على ذلك غزوة حنين حيث كان يعطي الرجل الواحد مابين جبلين من الغنم والإبل, وأعطى عددا من زعماء العرب وأكابرهم كل واحد مائة من الإبل ولم يدخر لنفسه من ذلك شيئا, والْتَحق - صلى الله عليه وسلم - بالرفيق الأعلى وهو على تلك الصفة المذكورة من التقشُّف والزهد البالغ.

وأخرج الإمام أحمد بإسناده عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخلَتْ عليَّ امرأة من الأنصار فرأَتْ فراش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عباءة مثنية , فرجعَتْ إلى منزلها , فبعثت إليَّ بفراش حَشوُه الصوف, فدخل عليَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ماهذا؟ فقلت: فلانة الأنصارية دخلت عليَّ فرأَتْ فراشك فبعثَتْ إليَّ بهذا , فقال: رُدِّيه , فلم أردَّه وأعجبني أن يكون في بيتي , حتى قال لي ذلك ثلاث مرات, فقال: ياعائشة رُدِّيه فو الله لو شئت لأجرى الله معي جبال الذهب والفضة , فرددته (2) .

(1) الزهد للإمام أحمد / 4.

(2) الزهد / 14.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت