وأخرج الحافظ ابن عساكر من خبر مزيدة بن قعنب الرهاوي قال: كنا عند عمر بن الخطاب- رضي الله عنه - إذ جاءه قوم فقالوا: إن لنا إماما يصلي بنا العصر فإذا صلى صلاته تغنى بأبيات , فقال عمر: قوموا بنا إليه, فاستخرجه عمر من منزله فقال: إنه بلغني أنك تقول أبياتا إذا قضيت صلاتك فأنشدنيها , فإن كانت حسنة قلتها معك , وإن كانت قبيحة نهيتك عنها, فقال الرجل:
وفؤادي كلما نبهته………عاد في اللذات يبغي تعبي
لا أراه الدهر إلا لاهيا ………في تماديه فقد بَرَّح بي
ياقرين السوء ماهذا الصِّبا…………فني العمر كذا باللعب
وشباب بان مني فمضى………… قبل أن أقضي منه أربي
ما أُرَجِّي بعده إلا الفنا………… ضيَّق الشيب عليَّ مطلبي
نفسُ لاكنتِ ولاكان الهوى………اتقي المولى وخافي وارهبي
فقال عمر: نعم , نفس لاكنت ولاكان الهوى , وهو يبكي ويقول: اتقي المولى وخافي وارهبي , ثم قال عمر: من كان منكم مغنيا فليغنِّ هكذا (1) .
فهذا مثل من رقة قلب أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه وشدة خشيته من الله جل وعلا, حيث بكى لما سمع هذه الأبيات الوعظية .
وفي قوله"فإن كانت حسنة قلتها معك"دلالة على تواضعه وحسن أسلوبه في دراسة القضايا , واحترامه آراء الآخرين .
وفي هذا الخبر دلالة على إقرار الصحابة رضي الله عنهم للأناشيد الإسلامية واستحسانهم لما كان منها يشتمل على الوعظ والتذكير بالآخرة , مع أن ذلك الإمام كان يتغنى بتلك الأبيات الشعرية في المسجد وبعد صلاة العصر , فجواز ذلك خارج المسجد من باب أولى .
(1) …تاريخ دمشق 44/312 .