ومن ذلك ما أخرجه المؤرخ أبو زيد عمر بن شبة النميري من خبر عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: أنا آخركم عهدًا بعمر رضي الله عنه , دخلت عليه ورأسه في حجر ابنه عبد الله بن عمر, فقال له: ضع خدي بالأرض , فقال: هل حجري والأرض إلا سواء ؟ قال: ضع خدي بالأرض لا أم لك - في الثانية والثالثة - ثم شبك رجليه فسمعته يقول: ويل لي وويل لأمي إن لم يغفر الله لي , حتى فاضت نفسه (1) .
فهذا مثل مما كان يتصف به أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه من خشية الله تعالى , حتى كان آخر كلامه الدعاء على نفسه بالويل إن لم يغفر الله جل وعلا له , مع أنه أحد العشرة المبشرين بالجنة, ولكن من كان بالله أعرف كان من الله أخوف , وإصراره على أن يضع ابنه خده على الأرض من باب إذلال النفس في سبيل تعظيم الله عز وجل , ليكون ذلك أقرب لاستجابة دعائه, وهذه صورة تبين لنا قوة حضور قلبه مع الله جل وعلا .
ومن ذلك ما أخرجه الحافظ ابن عساكر من خبر الأحنف بن قيس التميمي قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: لايحل لعمر من مال الله إلا حلتين: حلة للشتاء وحلة للصيف وماحج به واعتمر عليه من الظهر (2) , وقوت أهلي كرجل من قريش ليس بأغناهم ولا بأفقرهم , ثم أنا رجل من المسلمين (3) .
وهكذا كانت مخصصات أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه من بيت مال المسلمين مايكفي للقوت الضروري والكسوة الضرورية كأحد أوساط الناس , ومازاد عن ذلك فإن عمر يتورع عنه, ولو أن رجلا استأجر رجلا على أن يعمل له بطعامه وكسوته لم يقبل بذلك إلا عند الضرورة القصوى , ولكن عمر فرض على نفسه ذلك تورعا منه .
وذكر الحافظ ابن حجر أن الكرابيسي أخرجه بسند صحيح (4) .
ومن أمثلة خشيته من الله تعالى ما أخرجه الخطيب البغدادي من خبر قسامة بن زهير قال: وقف أعرابي على عمر بن الخطاب فقال:
(1) …تاريخ المدينة المنورة ص 919 .
(2) …أي الإبل .
(3) …تاريخ دمشق /270 .
(4) …فتح الباري 13/161 .