فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 81

ففي هذا مثل بليغ في الترفُّع عن متاع الدنيا الزائل , فبيت المال قد امتلأ من الذهب والفضة, ولاينظر إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه نظرة إعجاب وغرور , بل كان جوابه حينما أبلغه المسؤول المالي عن ذلك أن قال: الله أكبر ! فإذا كان بعض الناس يكْبِرون الدنيا ويعظمونها فالله تعالى أكبر منها ومن كل شيء , ومادام المسلم يشعر حقا بأن الله أكبر فلماذا يجعل قلبه مستسلمًا لما هو أصغر !!

إنه فقه عظيم من علي رضي الله عنه حينما تذكَّر هوان الدنيا وحقارتها فكبَّر الله تعالى, ولسان حاله يؤنِّب من انخدع بمتاع الدنيا الزائل ونسي أن الله جل وعلا أكبر من كل شيء .

وإنه لميزان دقيق يحسه المؤمن الذي نَوَّرَ الله سبحانه بصيرته , فكلما كان الله تعالى أعظم وأكبر من كل شيء في قلبه كانت الدنيا ومافيها أهون شيء عليه , وأصبح يُسَخِّر المال الحلال في طاعة الله جل وعلا , وكلما عظمت الدنيا في قلبه كان ذلك على حساب نقص تعظيمه لله تعالى .

ونجد عليا رضي الله عنه يُحَلِّق في آفاق العظمة وهو يخاطب الدنيا بقوله: ياصفراء يابيضاء غُرِّي غيري .. مما يدل على الوجدان الحيّ والحسِّ المرهف الذي يصور الدنيا كخصم يخاتل ويراوغ خصمه .. وهو بهذا يعلن انتصاره على جموح النفس وجموح العواطف , ويُحَكِّم عقله الذي يعطي الدنيا حجمها المناسب لزمنها المحدود في شقائها ونعيمها , ويعطي الآخرة حجمها المناسب لخلودها وعظمة نعيمها وهول جحيمها .

ونجده رضي الله عنه يصل إلى قمة المعالي حينما صلى في بيت المال ركعتين لتكونا شاهدتين له يوم القيامة بأنه قد عدل في حكمه واستقام في أمره .

ولعل في اتخاذ بيت المال مسجدًا رمزًا لعلو الآخرة على الدنيا , وهو مكمِّل للسلوك العالي الذي مارسه في تصريف ذلك المال في وجوهه المشروعة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت