فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 81

ومن أخبار أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه في الزهد والورع ما أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي مطر عمرَ بن عبد الله الجهني قال: رأيت عليًّا عليه السلام متَّزرًا بإزار مرتديًا برداء ومعه الدِّرَّة (1) كأنه اعرابي بدوي , ثم ذكر دخوله إلى السوق ومساومته أحد التجار في ثوب بثلاثة دراهم , وأن التاجر عرفه , قال: فلما عرفه لم يشتر منه شيئًا , فأتى آخر فلما عرفه لم يشتر منه شيئًا , فأتى غلامًا حدثًا فاشترى منه قميصًا بثلاثة دراهم , ثم جاء أبو الغلام فأخبره, فأخذ أبوه درهمًا ثم جاء به فقال: هذا الدرهم يا أمير المؤمنين , قال: ما شأن هذا الدرهم ؟ قال: كان ثمن القميص درهمين , فقال: باعني رضاي وأخذ رضاه (2) .

فهذا مثل في الزهد من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه , فلقد كان مظهره في لباسه يوحي بأنه رجل أعرابي لخشونة ملابسه , وحينما اشترى له ثوبًا اختار نوعًا متواضعًا رخيص الثمن مع أنه كان آنذاك أعلى مسؤول في العالم , حيث كان خليفة المسلمين, وهذا يدل على تواضعه وزهده في الدنيا .

ومثل آخر في الورع والاحتياط للدين حينما امتنع من الشراء ممن يعرفونه حتى لايراعوه في الثمن لمنصبه , فهو لايريد أن يستثمر منصبه الكبير لمصالحه الخاصة , وهذا فهم دقيق لمجالات الورع والتقوى , فالخلافة عنده وعند أمثاله عمل صالح , والخليفة إذا صاحبه العدل كان أول السبعة الذين يظلهم الله تعالى في ظله يوم القيامة , فهو لايريد أن يدنس هذا العمل الصالح بمصالح دنيوية فيتحول العمل إلى مَجْلبةٍ للوزر بدلًا من الأجر , فكان بهذا السلوك العالي قدوة حسنة لمن أتوا بعده .

(1) …الدرة بكسر الدال وتشديدها العصا .

(2) …الزهد / 130 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت