ومن أخبار أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه في الزهد والورع ما أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي مطر عمرَ بن عبد الله الجهني قال: رأيت عليًّا عليه السلام متَّزرًا بإزار مرتديًا برداء ومعه الدِّرَّة (1) كأنه اعرابي بدوي , ثم ذكر دخوله إلى السوق ومساومته أحد التجار في ثوب بثلاثة دراهم , وأن التاجر عرفه , قال: فلما عرفه لم يشتر منه شيئًا , فأتى آخر فلما عرفه لم يشتر منه شيئًا , فأتى غلامًا حدثًا فاشترى منه قميصًا بثلاثة دراهم , ثم جاء أبو الغلام فأخبره, فأخذ أبوه درهمًا ثم جاء به فقال: هذا الدرهم يا أمير المؤمنين , قال: ما شأن هذا الدرهم ؟ قال: كان ثمن القميص درهمين , فقال: باعني رضاي وأخذ رضاه (2) .
فهذا مثل في الزهد من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه , فلقد كان مظهره في لباسه يوحي بأنه رجل أعرابي لخشونة ملابسه , وحينما اشترى له ثوبًا اختار نوعًا متواضعًا رخيص الثمن مع أنه كان آنذاك أعلى مسؤول في العالم , حيث كان خليفة المسلمين, وهذا يدل على تواضعه وزهده في الدنيا .
ومثل آخر في الورع والاحتياط للدين حينما امتنع من الشراء ممن يعرفونه حتى لايراعوه في الثمن لمنصبه , فهو لايريد أن يستثمر منصبه الكبير لمصالحه الخاصة , وهذا فهم دقيق لمجالات الورع والتقوى , فالخلافة عنده وعند أمثاله عمل صالح , والخليفة إذا صاحبه العدل كان أول السبعة الذين يظلهم الله تعالى في ظله يوم القيامة , فهو لايريد أن يدنس هذا العمل الصالح بمصالح دنيوية فيتحول العمل إلى مَجْلبةٍ للوزر بدلًا من الأجر , فكان بهذا السلوك العالي قدوة حسنة لمن أتوا بعده .
(1) …الدرة بكسر الدال وتشديدها العصا .
(2) …الزهد / 130 .