وهكذا كان سرير النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذه الصلابة والخشونة حتى أثر على جنبه , وقد أثار هذا المنظر شفقة عمر بن الخطاب رضي الله عنه , وتذكر ماعليه ملوك فارس والروم , من الترف والنعيم, فقارن بين المشهدين فبكى , وقد بين له النبي - صلى الله عليه وسلم - أن هدف أولئك الدنيا , وقد نهلوا منها بأوفر نصيب , ولكن لاحظَّ لهم في الآخرة , وأن هدف المسلمين الحصول على السعادة الأخروية, فلذلك أضْعَفوا من نصيبهم في الدنيا.
ومن أمثلة ورع النبي - صلى الله عليه وسلم - ما أخرجه الإمام أبو داود من حديث عاصم بن كليب عن أبيه عن رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جنازة فرأيته - صلى الله عليه وسلم - وهو على القبر يوصي الحافر يقول: أوْسِعْ من قبَل رجليه , أوسع من قبَل رأسه , فلما رجع استقبله داعي امرأة فأجاب ونحن معه فجيء بالطعام فوضع يده , ثم وضع القوم فأكلوا , ففطن آباؤنا والنبي - صلى الله عليه وسلم - يلوك لقمة في فيه- يعني فطنوا لتغير وجه النبي - صلى الله عليه وسلم - - , ثم قال: أجد لحم شاة أُخِذَتْ بغير إذن أهلها , فأرسلت المرأة تقول: يارسول الله إني أرسلت إلى البقيع - وهو موضع تباع فيه الغنم - لتُشتَرى لي شاة فلم توجد , فأرسلت إلى جار لي قد اشترى شاة أن يرسل بها إليَّ بثمنها , فلم يوجد , فأرسلت إلى امرأته فأرسلتْ بها إليَّ فقال - صلى الله عليه وسلم: أطعميه الأسارى" (1) ."
وفي هذا الحديث نجد حماية الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - من الشبهات حيث أعلمه بأن تلك الشاة أُخذت بغير إذن مالكها , كما نجد مثالا لورعه العظيم حيث رفع يده ولم يستمر في الأكل من تلك الشاة.
كما نجد مثالا للحزم في تطبيق الشريعة وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يداري أحدًا في ذلك.
(1) سنن أبي داود رقم 3232 , البيوع 3/ 627.